Category Archives: القضايا العالمية

دونالد ترامب: آراؤه وسياساته المحتملة

 

فاز المرشح الجمهوري دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية وهزم منافسته هيلاري كلينتون التي كان من المتوقع فوزها، وبهذا أصبح ترامب الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية.

قبل الانتخابات ومن أجل تصريحاته – خصوصاً تصريحاته السابقة حول المرأة – كان ترامب متأخرا عن هيلاري كلينتون في عدة اقتراعات؛ ومع ذلك انتصر ترامب في الانتخابات وأدهش أمريكا والعالم.

أدى فوز ترامب إلى هبوط في الأسهم التجارية المختلفة وأُقيمت مظاهرات ضده داخل الولايات المتحدة الأمريكية.

ما هي أسباب خسارة هيلاري كلينتون؟ ما هي آراء الرئيس المنتخب الجديد؟ وتحديداً ما هي الخطوات التي سيتخذها حيال أفغانستان والمنطقة؟ أسئلة تم تحليلها في هذا المقال.

لم انتصر ترامب؟

الأسباب المهمة وراء إخفاق هيلاري كلينتون هي كالتالي:

أولاً؛ المصوتون البيض: يشكل الموطنون ذوو البشرة البيضاء نسبة 62% من مواطني أمريكا. صوّت 58% منهم لصالح دونالد ترامب وصوّت 37% من الأمريكيين البيض لهيلاري كلينتون. صوّت 63% من الذكور البيض لصالح ترامب بينما صوّت 31% منهم لهيلاري كلينتون. في الوقت ذاته صوّتت 53% من النساء البيض لصالح ترامب وصوتت 43% منهن لكلينتون. [1]

ثانياً: المصوتون السود والأمريكيون اللاتينيون: يُشكل السود نحو 12% من سكان أمريكا وتبلغ نسبة الأمريكيين الأسبانيين واللاتينيين 17% من مجموع السكان. رغم أن معظم هاتين العرقيتين صوّتوا لصالح كلينتون إلا أن الأصوات التي حازت عليها كلنتون أقل من الأصوات التي حاز عليها باراك أوباما في الانتخابات السابقة. صوّت 88% من السود لهيلاري كلينتون بينما صوّت 93% منهم لأوباما في الانتخابات السابقة. 65% من الأمريكيين اللاتينيين صوتوا لصالح كلينتون في حين أن 71% منهم صوتوا لصالح أوباما. [2]

ثالثاً: الأفكار الوطنية: في الوقت الراهن تتحول بوصلة توجهات العالم وخصوصاً الغرب من العولمة إلى الأفكار الوطنية. على سبيل المثال: انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (والذي حصل إلى حدٍ كبير بسبب جهود بوريس جونسون وزير الخارجية البريطاني الحالي والمشهور بأفكاره الوطنية القومية)، الأفكار المضادة للهجرة في أوروبا وشعبية بوتين المتزايدة في روسيا، كل هذه العوامل أثرت في الولايات المتحدة الأمريكية. بالإضافة لذلك هناك قضايا أخرى في أمريكا ساهمت في بروز مثل هذه الآراء الوطنية لدى ذوي البشرة البيضاء بشكل عام.

رابعاً؛ التحقق من بريد هيلاري كلينتون من قِبل مكتب التحقيقات الفيدرالي: خلال عملها كوزيرة للخارجية الأمريكية، استخدمت كلينتون بريدها الشخصي في أمور حكومية. تم التحقق في الموضوع مرةً من قِبل مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI؛ ولكن خلال الانتخابات أُثار القضية مرة أخرى رئيسُ مكتب التحقيقات مما كان له أثره على أفكار المصوتين.

 

آراء ترامب الساخنة

على الرغم من أن ترامب لاعب جديد في ميدان السياسة وعمل مسبقا في المجالات الاقتصادية ويصعب توقع آرائه وأفكاره؛ مع ذلك سنلقي نظرة على آرائه وتصريحاته التي أدلى بها خلال حملاته الانتخابية والسنوات الأخيرة حيال قضايا عديدة.

المهاجرين: تعرض ترامب لموجة انتقادات واسعة من أجل تصريحاته حيال المهاجرين في أمريكا. صرح ترامب أنه سيُخرج 11 مليون مهاجر غير مسجل من المهاجرين الموجودين في الولايات المتحدة الأمريكية؛ وسيبني جداراً حدودياً بطول 1000 ميل بين أمريكا والمكسيك (في حين أنه تم هدم جدار برلين قبل عقدين ونصف)، كما ذكر أنه سيوقف استقبال المهاجرين السوريين وسيطرد لاجئيهم الموجودين وسيوقف بشكل مؤقت هجرة اللاجئين من الدول التي لها سابقةٌ في تصدير “الإرهاب”.

داعش في العراق وسوريا: في البداية اقترح ترامب أن تكون أمريكا محايدة حيال الحرب بين بشار الأسد و داعش، ومن ثم تتعامل مع الجهة التي ستبقى بعد الحرب. ولكن بعد أحداث باريس الدامية، ذكر أنه سيتخذ خطوات صارمة ضد داعش حتى لا يتمكن التنظيم من التجنيد والاستقطاب عبر الإنترنت. خلال حملته الانتخابية صرح قائلاً: «ليس لدينا خيار سوى القضاء على داعش»؛ وأيّد ترامب كذلك إرسال الجنود الأمريكيين إلى الدول الأخرى من أجل القضاء على داعش.

السعودية و إيران: تصريحات ترامب حيال السعودية وإيران أيضا مخالفة لسياسات أوباما. طالب ترامب بمضاعفة العقوبات الاقتصادية على إيران لأن إيران حسب اعتقاده كانت أكبر حامية “للإرهاب”، وكان هذا هو السبب الذي جعل وزير الخارجية الإيراني يطالب ترامب في تهنئته له على فوزه في الانتخابات بأن يبقى ملتزما بالنظم الدولية والاتفاقيات الموقّعة. هدد ترامب أيضا بأنه سيوقف شراء نفط السعودية في حال عدم مشاركة القوات السعودية في القضاء على داعش.

الصين و روسيا: تكلم ترامب كثيرا ضد الصين (وفيما بعد ضد روسيا) وكان ذلك في الغالب حيال العلاقات التجارية بين أمريكا والصين. انتقد ترامب الصين من أجل تخفيض عملتها “الين”؛ لأنه حسب نظرة الأمريكيين تكبدت أمريكا خسائر في العلاقات التجارية الثنائية بين الصين وأمريكا من أجل نزول قيمة الين. اتهم الصينَ أيضا بسرقة أعمال من الملكية الفكرية التابعة لأمريكا، ووعد بإثبات هذ الاتهام. صرح ترامب بأنه سيوجه إرشادات لمندوبي التجارة الأمريكية ومنظمة التجارة العالمية لرفع قضايا ضد الصين. على الصعيد الآخر فإن الولايات المتحدة الأمريكية اقترضت مبالغ ضخمة من الصين وصرح ترامب بأنه سيقلل هذه القروض والقروض الوطنية الأخرى وسيزيد من تواجد الجيش الأمريكي في (آسيا – المحيط الهادي)، لتصبح لأمريكا اليد العليا في المعاملات ضد الصين.

يريد ترامب تشكيل تحالف جديد مع روسيا من أجل “تقليل الخلافات” مع روسيا على أرض سوريا. بعد فوز ترامب في الانتخابات، هنّأه بوتين وأبدى أمله في أن تعمل أمريكا و روسيا معاً لأجل تطوير العلاقات وليكون لجهودهم المشتركة عواقب إيجابية لإزالة التهديدات الأمنية حول العالم.

ترامب و أفغانستان

منذ 2004، كانت هذه المرة الأولى التي يتم فيها إغفال أفغانستان خلال الحملات الانتخابية. هناك أسباب عديدة لذلك، أولها أن القضايا مثل داعش، وسوريا، واللاجئين، وروسيا، والصين، والإرهاب، والهجمات “الإرهابية” التي حصلت داخل أمريكا والوضع الأمريكي الداخلي حظيت باهتمام أكبر من قضية أفغانستان. ثانياً؛ أن قضية أفغانستان بعد 15 سنة ما زالت كما كانت في 2001. بما أن الجمهوريين هم من بدؤوا هذه الحرب ولم ينجح الديمقراطيين في حلها في فترتين متتاليتين، لم يُثر أيٌ من الجانبين هذه القضية في الوقت الراهن.

على أية حال، كان لترامب تصريحات عديدة حيال أفغانستان منذ 2012. على سبيل المثال، ذكر ترامب في عام 2012 أنه سيخرج جميع القوات الأمريكية من أفغانستان. وفي عام 2013 عندما تم قتل عدد من الجنود الأمريكيين من قِبل بعض الجنود الأفغان، قال ترامب رداً على الحدث: «لننسحب من أفغانستان؛ إن جنودنا يُقتلون من قِبل أولائك الأفغان الذين درّبناهم نحن. لقد أنفقنا ملايين الدولارات هناك، هذا غير مقبول.» [3]

فيما بعد، غير ترامب رأيه وطالب بإبقاء الجنود الأمريكيين الذين يبلغ عددهم 9800 جندي في أفغانستان؛ لأن التواجد الأمريكي في أفغانستان مهم من أجل باكستان. علاوةً على ما ذُكر، صرح ترامب في 2015 بأن الحرب الأمريكية الحالية في أفغانستان لم تكن خطوة خاطئة.

سياسة أمريكا الخارجية في المستقبل

بشكل عام في كل الدول تختلف السياسات خلال فترة الحكم عن المواقف التي يتم إعلانها خلال الحملات الانتخابية. الكثير من المرشحين يبرمون وعودا كبيرة خلال حملاتهم من أجل جمع أكبر عدد من الأصوات، ولكن لا يوفون بوعودهم إلى حدٍ كبير. لذا من الممكن أن تكون تصريحات ترامب الساخنة هذه من هذا الصنف. في الوقت ذاته، لن يتمكن ترامب الذي يفتقد الخبرة السياسية والذي دخل حديثا في النظام الرئاسي الأمريكي المتصف بالبيروقراطية من تطبيق وعوده الثورية التي صرح بها خلال حملاته الانتخابية.

في خطابه بعد الفوز، تكلم ترامب عن السياسة الخارجية باختصار قائلاً: «نحن سنسير مع جميع الشعوب التي ستسير معنا. سيكون لدينا علاقات جيدة. نريد أرضية مشتركة لا عداوةً، نريد تعاوناً لا صراعاً.» [4]

مع ذلك، ستكون سياسة دونالد ترامب حيال روسيا والصين والعالم الإسلامي مختلفة عن سياسات سابقيه، وستكون إلى حدٍ ما قريبةً مما وعد به خلال حملاته الانتخابية.

في إقليمنا، سيكوّن ترامب علاقات أمريكية هندية أفضل مقارنةً بالعلاقات مع باكستان. هناك هنود مقيمون في أمريكا نشطو لصالح ترشيح ترامب وشارك هو مرة في هذه الحملات. إذا لم تتخذ أمريكا موقفا أشد حزما تجاه باكستان فإنها على الأقل لن تلطّف موقفها الحالي. وهذا هو السبب الذي من أجله صرح السفير الأمريكي في باكستان بأن سياسة أمريكا تجاه باكستان لن تتغير في حال حيازة ترامب للسلطة.

من الممكن أن تتأثر أفغانستان بسياسات أمريكا المستقبلية في ميدانيْن:

أولاً؛ الجنود الأمريكيين في أفغانستان: تصريحات ترامب التي صرح بها في الأشهر القليلة الماضية تُظهر أنه لن يسحب القوات الأمريكية من أفغانستان؛ لأن ذلك ليس من مصالح الولايات المتحدة الأمريكية. سيُبقي على 9800 جندي أمريكي في أفغانستان كما أيد هذه الخطة من قبل.

ثانيا؛ الدعم الاقتصادي الأمريكي لأفغانستان: الجانب الذي ستقلق الحكومة الأفغانية حوله أكثر هو الدعم الاقتصادي الأمريكي. من الممكن أن تشترط أمريكا شروطاً أصعب لتقديم مساعداتها في المستقبل.

النهاية.

[1] Jon Henley, White and wealthy voters gave victory to Donald Trump, exit polls show, see it online, https://www.theguardian.com/us-news/2016/nov/09/white-voters-victory-donald-trump-exit-polls

[2] ibid

[3] Jafar Haand, What Trump has said about Afghanistan, VOA, see it online: http://www.pashtovoa.com/a/donald-trump-remarks-on-afghanistan/3282242.html

[4] CNN, Here’s the full text of Donald Trump’s victory speech, see it online: http://edition.cnn.com/2016/11/09/politics/donald-trump-victory-speech/index.html

العلاقات الأمريكية-الهندية المتقاربة وتأثيراتها على المنطقة

 

وقع وزير الدفاع الأمريكي ونظيره الهندي الأسبوع الماضي اتفاقية مذكرة تبادل اللوجيستيات (LEMOA). زامن ذلك زيارة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري للهند حيث التقى ببعض كبار المسؤولين.

توقيع المعاهدة اللوجستية-العسكرية وزيارة وزير الخارجية الأمريكي للهند حصلا في وقت ارتفعت فيه نسبة التوتر في العلاقات الهندية-الصينية والعلاقات الهندية-الباكستانية.

التحولات التي طرأت في المنطقة عام 2016، مصير العلاقات الأمريكية-الهندية وتأثيرات المعاهدة الموقعة حديثا بين الولايات المتحدة الأمريكية والهند على المنطقة مواضيع تم تحليلها في هذا المقال.

 

التحولات الجيوسياسية الأخيرة في المنطقة

منذ 2015 وحتى الآن حدثت تحولات بارزة في المنطقة والدول المجاورة لأفغانستان؛ فقد وصلت إيران إلى توافق مع دول مجموعة 5+1 حول برنامجها النووي، وبناءً على ذلك تُوقِف إيران برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عنها. أثمر هذا التوافق تأثيرات إيجابية على الاقتصاد الإيراني، حيث لم يتوقف ذلك على تمكين وصول الدولة إلى ممتلكاتها المجمدة المقدرة بـ 115دولار أمريكي؛ وإنما سهّل أيضاً هذا التوافق الطريق أمام الدول الأخرى لتوسع دائرة التبادل التجاري والاقتصادي مع إيران والاستثمار فيها.

في الوقت ذاته زار الرئيس الصيني شي جين بينغ باكستان وافتتح المنطقة الاقتصادية الصينية-الباكستانية. ستستثمر الصين في منطقتها الاقتصادية مبلغ 46 مليار دولار في مجالات النقل والعبور والطاقة. وبما أن هذه المنطقة الاقتصادية تمر بأجزاء من كشمير فإن الهند تعارضها.

بعد رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، وقعت أفغانستان وإيران والهند اتفاقية (جابهار) للعبور والتجارة مما يوفر لأفغانستان والهند مساراً بديلاً عن مسار باكستان وبالتالي تفقد باكستان وسيلة الضغط التي كانت تملكها في هذا الصدد. أضف إلى ذلك أن الهند ستتصل بآسيا الوسطى عبر أفغانستان.

في أبريل 2016 أفشلت الصين محاولة الهند في إبراز مسعود أظهر قائد جماعة جيش محمد كإرهابي وإلحاقة بالقائمة السوداء للأمم المتحدة. من جانبٍ آخر، في يوليو 2016 رغم محاولاتها العديدة لم تفلح الهند في الانضمام إلى مجموعة مورّدي المواد النووية NSG. اتهمت الهند الصين بإيجاد العوائق في طريق انضمامها إلى المجموعة، إلا أن الصين أكدت أنه حسب نُظم مجموعة موردي المواد النووية فإن أي دولة لم توقع اتفاقية معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية NTP لا تستطيع الانضمام للمجموعة ولذا على الهند أن توقع المعاهدة. نظراً لهذين السببين أبدت الهند فيما بعد معارضتها لمشروعي الصين (حزام الطريق الاقتصادي الحريري “one belt, one road”، والمنطقة الاقتصادية الصينية-الباكستانية)

على صعيدٍ آخر، فإن العلاقات الهندية-الباكستانية والعلاقات الهندية-الصينية منذ ثلاثة أشهر في حالة تدهور. قُتل قائد حزب المجاهدين برهان واني بكشمير الهندية في يوليو 2016 مما أدى إلى تدهورِ الحالة الأمنية بكشمير وكذلك تصعيدِ التوتر في علاقات نيو دلهي وإسلام آباد (بعد مقتل برهان واني تم فرض حظر التجوال بكشمير وحُبس جميع قائدي مؤتمر الحرية لجميع الأحزاب الكشميرية  APHCوقُتل نحو سبعون شخص وجُرح الآلاف بعدة مظاهرات). عقب مقتل (واني) صرح رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف أنه صُدم بالحادثة ووسمَ واني بـ (الشهيد). علاوة على ذلك أثارت باكستان موضوع قتل برهان واني في الأمم المتحدة. في مقابل تصريحات الجانب الباكستاني اتهمت وزيرةُ الخارجية الهنديةُ باكستانَ بتمجيد الإرهابيين. يُضاف إلى ذلك أن رئيس مجلس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في كلمة له بحفل استقلال الهند أثار موضوع بلوشستان وانتقد باكستان انتقاداً لاذعاً.

 

العلاقات الأمريكية الهندية المتقاربة

أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن أطروحة (إعادة التوازن في آسيا) عام 2014 والتي يعدها بعض الصينيون محاصرةً للصين؛ لأن هذه الأطروحة تعني في نظرهم نهوض الهند واليابان وبعض الدول الأخرى مقابل الصين. بناءً على الاتفاقية الأخيرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والهند فإن العلاقات في المجالات التجارية والعسكرية ومجالات أخرى ستتقوى أكثر.

من جانبٍ آخر، بعد وصول ناريندرا مودي إلى السلطة في الهند فإن العلاقات الأمريكية الهندية دخلت مرحلة جديدة. منذ 2014 سافر مودي إلى الولايات المتحدة الأمريكية أربع مرات (مرتين للحضور في مؤتمرين عالميين، وزيارتان رسميتان للولايات المتحدة الأمريكية). في يناير 2016 حضر أوباما حفل اليوم الجمهوري بالهند بدعوة من ناريندرا مودي، لذا يُعتبر أوباما أول رئيس أمريكي يزور الهند مرتين ويحضر مراسم حفل اليوم الجمهوري خلال دورته المتشكلة من ثماني سنوات.

شهد الصعيد السياسي بالمنطقة خطوةً أخرى الأسبوع الماضي وقام وزير الدفاع الهندي مانوهار باريكار بزيارة رسمية للولايات المتحدة الأمريكية وقابل نظيره الأمريكي آشتون كارتر. منذ بداية 2016 كانت هذه زيارته الثانية للولايات المتحدة ولقاؤه السادس بوزير الدفاع الأمريكي. في زيارته الأخيرة تم توقيع الاتفاقية المثيرة للجدل (اتفاقية مذكرة تبادل اللوجيستيات LEOMA) بين الولايات المتحدة الأمريكية والهند والتي عارضها الكثيرون من داخل الهند. حسب الاتفاقية فبإمكان كلا الدولتين أن تستخدم جوّ وبرّ وبحر الدولة الأخرى عند الحاجة. ومن أجل تقليل صدى معارضي الاتفاقية في الهند ومخاوف الدول بالمنطقة أكّد وزير الدفاع الأمريكي في مؤتمر صحفي مشترك أن ” الاتفاقية لا تعني أن تمتلك دولةٌ قواعد عسكرية في أرض الدولة الأخرى “.

من جانبٍ آخر قام وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بزيارته الرابعة للهند وقابل رئيس مجلس الوزراء الهندي ومستشار الأمن القومي ووزير الخارجية الهندي، ونوقشت أربع مواضيع مهمة:

أولاً؛ العلاقات الثنائية الأمريكية-الهندية ستتقوّى. حسب وزير الخارجية الأمريكي فإن مقدار التجارة بين الدولتين يجب أن يصل إلى 500 مليار دولار وستسعى الولايات المتحدة الأمريكية في إلحاق الهند بمجموعة موردي المواد النووية NSG.

ثانياً؛ مرة أخرى رفضت الولايات المتحدة الأمريكية التمييز في التعامل مع الإرهاب حيث قال جون كيري: ” الإرهابُ إرهابٌ ” (في إشارةٍ إلى باكستان أنّ عليها اتخاذ خطوات صارمة تجاه جماعة لشكر طيبة، وجيش محمد وحركة طالبان الأفغانية).

ثالثاً؛ التأكيد على حرية التجارة والحركة بالساحل الجنوبي، وهذا كردة فعل لأحداث ساحل الصين الجنوبي.

رابعاً: استئناف المحادثات الثلاثية بين (أفغانستان-الولايات المتحدة الأمريكية-الهند) بأفغانستان.

 

أفغانستان ومستقبل المنطقة

الأحداث الأخيرة في الأسبوع الماضي كانت محل متابعة دقيقة في الصين وباكستان لأن تصريحات جون كيري خلال زيارته للهند كانت إلى حدٍ كبير تُشير إلى باكستان. على الصعيد الآخر فإن توقيع اتفاقية مذكرة تبادل اللوجستيات بين الولايات المتحدة والهند أثار قلق الصين، لأنه يتزامن مع تدهور العلاقات الأمريكية-الصينية حيال موضوع ساحل الصين الجنوبي.

توقيع الاتفاقية الدفاعية بين الولايات المتحدة والهند وسفر وزير الخارجية الأمريكي للهند حصلا في وقت تسوء فيه علاقات نيو دلهي-إسلام آباد وعلاقات نيو دلهي-بكين. الأحداث في السنة الأخيرة تُظهر تقارباً سريع الخطى من الهند تُجاه الولايات المتحدة، وإذا استمر الوضع بهذا المنوال فستُلقي الهند لأول مرةٍ سياسيتها التقليدية إلى الوراء.

من جانبٍ آخر، فإن أفغانستان تحتاج إلى مساعدات ودعمٍ عسكري من الهند. لا تقدر أفغانستان أن تقطع أو تقلل علاقاتها مع الهند فقط من أجل مخاوف دولةٍ أخرى؛ ولكن في اللعبة الإقليمية الحالية إذا كان المراد من أحداث الأسبوع الماضي هو تحالف الولايات المتحدة الأمريكية والهند ضد الصين وباكستان فعلى أفغانستان أن تحتفظ بسياستها التقليدية ( الحياد ) وأن لا تشترك في الائتلافات.

انتهى

مآلات التدخل الروسي العسكري في سوريا

خلق التدخل الروسي العسكري في سوريا موجة من التحديات الجديدة في الشرق الأوسط. وقد وقف الروس إلى جانب إيران وحزب الله في مواجهة مع أهداف غربية وذلك بدعمها لحكومة بشار الأسد في سوريا.

يبدو أن روسيا تريد بهذا الموقف أن تخلق في الشرق الأوسط مقاومة أمام هيمنة أمريكا وحلفائها. ففي مضى كانت روسيا تراقب بصمت سقوط أنظمة مُقلقة لأمريكا منها حكومة القذافي في ليبيا، لكنها الآن تظهر راغبة في لعب دور حيوي في القضايا ذات الأهمية العالمية، وأن تتخذ موقفا صارما تجاه القضايا العالمية.

دعم نظام مهزوم

دخل الروس في صراع من أجل نظام يُعتبر مهزوما. وقد خرجت أجزاء كبيرة من البلد من سيطرة النظام، وأعملت الحكومة مجازر كبيرة بين الشعب أملا في البقاء. غادر ملايين السوريين دورهم، وتوجهوا نحو دول الجيران وأوروبّا.

إن الدفاع عن نظام تركته غالبية الشعب، تُذكّر بالوضع الأفغاني في الثمانينيات من القرن الماضي. فإن دعم روسيا لتلك الحكومة بدلا من أن تحفظ مصالح روسيا العليا ضمن الاتحاد السوفيتي، سبب انهيار الاتحاد وخلقت مجموعات متطرفة لا تزال روسيا تعاني منها.

تعريف الإرهاب

مع أن الروس اتخذوا مواجهة تنظيم “الدولة الإسلامية”، ذريعة تدخلهم في سوريا، إلا أن موسكو تقاتل في سوريا تلك المجموعات التي كانت تقاتلها يوما في أفغانستان، مجموعات مثل القاعدة، وأتباعها، تجدها الآن أمريكا تيارا وسطيا عند المقارنة مع أمريكا!.

ترى أمريكا والغرب بأن المقاتلات الروسية تستهدف مواضع المجموعات الوسطية، بدلا من مقار تنظيم “الدولة الإسلامية”، لكن لدى سرجي لافروف تعريف آخر عن الوسطي. يقول لافروف وزير الخارجية الروسي: “إن الذين يتبنون مثل أفكار الإرهابيين، ويعملون ويلبسون ويمشون مثلهم كلهم من أهداف عملياتنا”. وهو تعريف لا يتطابق مع التعريف السائد في البيت الأبيض إذ الآخر لا يصنّف في إطار “الإرهاب” إلا من شكّل تهديدا لأمريكا. وصرّح لافروف في الثاني من أكتوبر في مؤتمر صحفي قائلا، إن حربنا ليست مع داعش فحسب، بل نقاتل كل الإرهابين الذين يقاتلون نظام الأسد.

التنسيق الإيراني الروسي

يرى المسؤولون الروس للتواجد العسكري الروسي في سوريا خلفية طويلة تصل جذورها إلى أيام الاتحاد السوفيتي، لكن المراقبين يرون بأن توسع التواجد الروسي في سوريا حدث بالتنسيق مع إيران وبدعم منها وذلك للحفاظ على المصالح الروسية في المنطقة. ومن هنا عززت زيارة قاسم سليماني قائد جيش القدس الإيراني إلى موسكو من قرار روسيا للتدخل الأوسع في سوريا. ومع نفي روسيا لهذه الزيارة لكنه واضح وجليّ بأن روسيا لا تقدم على مثل هذه الخطة من دون دعم إيران والتنسيق معها ومع دول موجودة في التراب السوري.

يقول المسؤولون الإيرانيون إن روسيا وإيران بدعم من حزب الله اللبناني في سوريا توفر “مشورات عسكرية”، لحكومة بشار الأسد في المواجهة مع الإرهابيين. المشورات العسكرية هي المصطلح نفسه الذي تستخدمها الدول الغربية في دعمها للحكومة الأفغانية أمام حركة طالبان، ويشمل الدعم الجوّي للقوات الحكومية كما ويشمل عمليات أرضية تجريها القوات الخاصة لهذه الدول.

ضعف أمريكا في الأزمة السورية

إن الاستراتيجية الضعيفة التي مشت عليها أمريكا في الأزمة السورية، جعلت كرملين ترى أن أمريكا تخسر الحرب في سوريا لصالح المجموعات المتطرفة، وأن سقوط الأسد سيعزز من العنف في المنطقة. محاولة أمريكا لإحداث مجموعة وسطية تحارب الأسد وتنافس مجموعات مثل “الدولة الإسلامية”، بائت بالفشل، ورغم المبالغ الكبيرة التي صرفتها أمريكا، لم تستطع إحداث جيش من عناصر موالية لها، وكل من درّبتها أمريكا لهذا الغرض إما التحق بالإرهابيين أو غاب عن المسرح.

استخدام الأسلحة الكيميائية كان الخط الأحمر الذي وضعته أمريكا لنظام الأسد، ورغم عبور الأسد هذا الخط لم يواجه أي ردة فعل أمريكية جادة، وهو ما قلّص شعبية أمريكا لدى مخالفي الأسد.

من جهة أخرى، تعاملت أمريكا وحلفائها طيلة السنوات الماضية مع قضايا أوكرانيا أظهرت أنها لا ترغب في مواجهة مباشرة مع روسيا، وهو ما حرّض الروس للتدخل في سوريا. إذا لم يتخذ الغرب أي موقف صارم تجاه روسيا، فإن الروس سيقدمون على الأكثر من هذا. وفيما اعترضت تركيا على توغل المقاتلات الروسية الأجواء التركية، اعتبرت أمريكا الأمر خطوة استفزازية، وفي حال استمرار الوضع ستخسر أمريكا كثيرا من أوراق القوة.

ما هي أهمية سوريا للروس؟

ما هي أهداف الروس في إرسال القوات إلى سوريا والدفاع عن نظام تخالفه غالبية الشعب؟ يمكن للروس أن يملكوا دلائل عدة منها عواقب التدخل العسكري الأمريكي في الدول الإسلامية. فإن تدخل أمريكا في أفغانستان والعراق بذريعة مكافحة “الإرهاب”، عزز ووسع نطاقه، وفي ليبيا تحول المشهد بعد سقوط القذافي إلى هرج ومرج.

يأتي بعد ليبيا دور سوريا وفي حال سقوط النظام الحالي، ستأخذ المجموعات المتطرفة مكان الأسد. من جهة أخرى تحذّر روسيا الدول الغربية بإرسال القوات إلى سوريا، بأن روسيا تدافع عن مصالحها حتى في سوريا، ولا ينبغي للغرب أن يفكر في بسط نفوذه في دول آسيا الوسطى ودول أوروبّا الشرقية، وأن روسيا لن تغادر هذه الدول وحيدة.

هناك نقطة ذات أهمية وهي أن تقدم القوات المخالفة لنظام الأسد نحو اللازقية غربي البلد، وضع خناقا على النظام. رغم تقبل الأسد خسارة المعركة في القنيطرة، والحسكة، وحتى في مناطق من إدلب، ودرعا، وحلب، إلا أن انسحابه من اللازقية سيشكل نهاية له.

تُعتبر اللازقية معقلا أساسيا وجبهة قوية للمجتمع العلوي السوري، وهي من أكبر موانيء سوريا، إليه ترجع أصول أكبر الموالين للأسد. فيما خسر الأسد هذا المعقل، فإنه سيفقد أي فرصة للبقاء وفي حال سيطرة القوات المخالفة للأسد على هذا الميناء الاستراتيجي، تسيطر المعارضة على طرطوس ثاني أكبر ميناء في سوريا، وتسقط بقية المناطق الساحلية في يد مقاتلي المعارضة.

أسست القوات الروسية البحرية قاعدة بحرية في طرطوس، ولهذا الميناء الاستراتيجي في ساحل المتوسط أهمية كبيرة للروس.

النتيجة

مع أن الصراع الروسي الغربي في سوريا دخل طورا جديدا بالتدخل العسكري الروسي، لكن إمكانية مواجهة عسكرية مباشرة بين أمريكا وروسيا في المنطقة تقل كثيرا. تريد أمريكا جرّ روسيا إلى الأزمة السورية، وفي حال إرسال روسيا قوات أرضية إلى سوريا مثل إيران، فإن أمريكا ستترك روسيا تجرّب أفغانستان أخرى بعد انهيار السوفيتي، في دولة إسلامية أخرى.

بناءً على هذه السياسة تطلب أمريكا حل الأزمة السورية عبر التفاوض بدلا من إسقاط النظام. طلب جون كيري وزير الخارجية الأمريكي من إيران وروسيا أن تستغلا نفوذهما في حمل بشار الأسد إلى طاولة الحوار، وأن تؤجلا عزل الأسد إلى نهاية الحرب.

من جهة أخرى، سيعزز التدخل الروسي العسكري في سوريا بدعم إيران من عداوة الدول العربية المحافظة لروسيا، وقد يشكل هذا الانطباع توجها لدعم المجموعات المخالفة لنظام الأسد.

النهاية

أزمة اللجوء وأوضاع اللاجئين الأفغان عبر العالم

بناءً على تحقيق للاتحاد الأوروبّي، وصل خلال شهر يوليو من عام 2015م، ما يقارب 107500 لاجيء إلى حدود أوروبّا.[1] وهي أول مرة يصل مثل هذا العدد من المهاجرين في شهر واحد إلى أوروبّا بطريقة غير قانونية. وبناءً على هذا التحقيق يشكل الأفغان ثلثي هذا العدد. وتصف وزارة الخارجية الأمريكية في تقريرها لعام 2015م، أوضاع هؤلاء اللاجئين “سيئة للغاية”، وترى أن حكومة أفغانستان لا تنفذ أي محاولة لمكافحة مهربّي البشر.[2]

بشكل عام أصبحت موجة اللجوء شديدة في العالم، ويتجه عدد كبير من اللاجئين إلى أوروبّا من آسيا، والشرق الأوسط، وإفريقيا. ما هي عوامل ازدياد اللجوء عالميا؟ وما هي أوضاع اللاجئين الأفغان؟

عوامل اللجوء إلى أوروبّا

مع تعثر الربيع العربي، أصبحت موجة اللجوء شديدة إلى أوربّا عبر طرق مختلفة، منها شرقي البحر المتوسط، الطريق الوسطي والغربي، وطريق بالقان. وتكمن عوامل ازدياد اللجوء في أمرين: الضغط والجذب.

إن عوامل الضغط هي التي تدفع سكان منطقة ما، للمغادرة والذهاب إلى مكان آخر، مثل الحروب الأهلية، والحكومات المستبدة، والمخالفات السياسية، ومخالفة حقوق الإنسان، والأمراض وغيرها.

من جهة أخرى، تكمن عوامل الجذب في الاقتصاد، والأمن، والسياسة وأمور أخرى، ويمكن أن نلخص عوامل اللجوء إلى أوروبّا من الشرق الأوسط، وإفريقيا وآسيا منذ بضعة أعوام في الآتي:

  • الحرب الأهلية في سوريا: أوصلت الحرب الأهلية التي بدأت في سوريا عام 2011م، البلد حتى عام 2014 إلى أكثر دول العالم لجوءا، ولديه أكثر من 4 ملايين مهاجر إلى الآن.[3] ففي عام 2014م، لجأ إلى أوروبّا 66698 لاجيئا عبر المياه. ويشكل اللاجئون السوريون القسم الأكبر من العدد الذي لجأ إلى أوروبّا خلال الشهور الستة الأولى من عام 2014م.
  • الحرب الأهلية في العراق وداعش: بعد الانسحاب الأمريكي من العراق أصبحت الحرب الأهلية شديدة فيها، وهي مستمرة إلى الآن، ومن هنا بدأ الكثيرون باللجوء إلى أوروبّا. وبعد ظهور تنظيم الدولة في العراق توجه الكثير من الأزيديين إلى أوروبّا. مع عدم وجود أي أرقام دقيقة حول لجوء الأزيديين إلى أوروبّا بعد ظهور تنظيم الدولة، إلا أن تركيا فتحت حدودها على وجه الأيزيديين في سبتمبر من عام 2014م، ويسكن فيها الآن حوالي 30 ألف من الأيزيديين، ويمكن أن يكون البعض قد غادر تركيا إلى أوروبّا عبر المهربين.
  • أفغانستان: وفي أفغانستان تحمل البطالة وانعدام الأمن كثير من أبناء الوطن، على اللجوء إلى أوروبّا. (يأتي لاحقا تفصيل ذلك).
  • عوامل مختلفة في دول إفريقية: لجأ العام الماضي 170000 شخص من الدول الإفريقية إلى أوروبّا، ومنذ بداية عام 2015م، حتى شهر إبريل وصل 21 ألف إفريقي إلى أوروبّا، وخلال ذلك لقي أكثر من 900 شخص حتفهم في البحر المتوسط. الفقر والحكومات المستبدة، والحروب الأهلية عوامل تجبر الإفريقيين على اللجوء.[4]

أزمة اللجوء في أوروبّا

تحولت موجة اللجوء الجارية إلى أوروبّأ إلى أزمة واقعية. وتكمن عوامل تحول هذا اللجوء إلى أزمة حقيقية في الآتي:

أولا: حدثت خلافات بين اللاجئين وسكان الدول الأوروبّية، وظهرت حركات ضد اللجوء، منها الحزب القومي الإنجليزي، والجبهة القومية الفرنسية، والحزب الشعبي السويدي، وحزب في ألمانيا وغير ذلك.

ثانيا: بعد الربيع العربي انطلقت حرب أهلية في الشرق الأوسط، إضافة إلى ذلك، تواجد حكومات مستبدة في إفريقيا، والأمراض، والأزمات المالية، وانعدام الأمن في أفغانستان عوامل أجبرت الكثيرين للتوجه نحو أوروبّا، وهي عوامل تزداد يوما بعد يوم لتزداد معها موجة اللجوء إلى أوروبّا. ففي شهر يوليو من عام 2015م، فقط لجأ إلى أوروبّا أكثر من 100 ألف لاجيء، ومن المزعم إن يصل ألمانيا خلال هذا العام 800 ألف لاجيء.[5]

ثالثا: غرق سفن المهاجرين في البحر المتوسط، إذا توفي إثر ذلك عام 2014 فقط، 3072 شخص.[6] وبناءً على تحقيق لمجلة “تلغراف”، فاق العدد هذا العام 2000 شخص. وغرفت الأسبوع الماض سفينة أخرى لقي فيها 49 مصرعهم. وهو أمر بدّل الهجرة إلى أزمة.[7]

رابعا: وضع كثير من الدول خطوات ساقية على المهاجرين، وتسد بها الهجرة غير القانونية إلى حد كبير. وعلى سبيل المثال نصّبت هنغاريا، على حدودها مع  صربستان الأسلاك الشائكة لمنع المهاجرين. وللأزمة المالية في أوروبا دور مهم في الأمر أيضا.

عوامل الهجرة من أفغانستان

تظهر الأرقام خلال عامين ماضيَيْن بأن كثير من الأفغان لجأوا إلى أوروبّا بطريقة غير قانونية. إنه من الصعوبة بمكان تحديد العدد الدقيق من الهجرة الأفغانية إلى أوروبّا، ومع ذلك هناك إحصاءات أجرتها بعض المؤسسات، وبناءً على إحصاء واحد، قدم 26215 شخص طلب اللجوء عام 2013م. وصل العدد عام 2014م، 41370 شخص، وفي العام الجاري إذ ازدادت عوامل الهجرة يزداد عدد المهاجرين يوميا.[8]

وتكمن عوامل توجه الأفغان نحو أوروبّا أكثر من أي وقت آخر في الآتي:

  • انعدام الأمن: بالنظر إلى 15 سنة الماضية ندرك أن الحرب تشتد كل عام، إلا أنها اشتدت أكثر من أي وقت آخر في العام الأخير. بعد شهور من توقيع الاتفاقية الأمنية بدأت سلسلة التفجيرات في العاصمة، كما وحدث ذلك بعد الإعلان بوفاة الملا محمد عمر. وبعد تشكيل “حكومة الوحدة الوطنية”، اتسعت رقعة الحرب من الجنوب إلى الشمال، وأضاف ظهور داعش المشهد أكثر غموضا. وبناءً على تحقيق لـ”يوناما”، لقي 5000 مدني حتفهم منذ بدء عام 2015 وحتى منتصفه، إثر التفجيرات والحروب. وهو وضع يجبر الكثير على اللجوء ومغادرة البلد.[9]
  • البطالة: الباطالة المتفشية في أرجاء البلد عامل أساسي آخر في إجبار الأفغان على اللجوء. ويرغب ملايين من الشباب الأفغاني، الذين لا تتوفر فرص عمل لهم في أفغانستان، في اللجوء إلى أوروبّأ، لرفع مشاكلهم المالية.
  • شروط القبول السهلة في بعض الدول الأوروبّية: هناك البطالة، والحرب، والوضع الأمني المتدهور من جهة، ومن جهة أخرى هناك شروط قبول سهلة في بعض الدول الأوروبّية، تجلب الأفغان نحوها. وفي اللقاءات التي أجريت خلال عشرة أيام الماضية الكل يذكر ألمانيا، وسويدن، ويبحثون طريق الوصول إليها.
  • العامل الاقتصادي: أفغانستان بلد فقير ويعيش كثير من سكانها تحت خط الفقر، ويتجه شبابها لحل مشاكلهم المالية إلى الدول الصناعية المزدهرة.

أوضاع اللاجئين الأفغان

ينقسم اللاجئون الأفغان عموما إلى ثلاثة أقسام تالية: اللاجئون الأفغان في إيران، واللاجئون الأفغان في باكستان، واللاجئون الأفغان في أوروبّا.

نشرت وزارة الخارجية الأمريكية في شهر يوليو من عام 2015م، تقريرا حول تهريب الإنسان، تمت فيها مناقشة أوضاع المهاجرين بشكل عام. جاء فيها بشأن أفغانستان: أفغانستان مصدر لتهريب الرجال والنساء والأطفال من أجل العبودية والجنس. يشكل الأطفال الحجم الأكبر من تهريب الإنسان في أفغانستان، وهم يعملون بعد ذلك في مصانع الفرش واللبنات، يضطرون للتساؤل، ويحمَلون على تهريب المخدرات وتجارة الجنس. [10]

إيران: ليست أوضاع المهاجرين الأفغان في إيران جيدة، إذ يتم حبسهم وإعدامهم. ونشرت تقارير دولية كثيرة حول استغلال إيران اللاجئين الأفغان في الحرب الأهلية في سوريا إزاء مبالغ مالية. ومن هنا رجع 137803 لاجيء أفغاني غير مسجل إلى أفغانستان منذ بدء عام 2015م وحتى 30 من يونيو، وذلك رغم إذعان المسؤولين الإيرانيين الأسبوع الماضي بأنه يتم إرسال اللاجئين الأفغان المسلجين وغير المسجلين إلى بلدهم طواعية فقط.[11]

باكستان: بعد أن حدث هجوم عسكري على مدرسة تابعة للجيش في مدينة بيشاور الباكستانية، وأصبحت الإجراءات مشددة تجاه الإرهاب واللاجئين الأفغان، بدأ اللاجئون الأفغان الرجوع إلى بلدهم. وبناءً على أرقام “منظمة الهجرة العالمية”، رجع 91458 لاجيء أفغاني إلى بلدهم منذ بدء عام 2015م، إلى 30 من شهر يونيو. وكانوا لاجئين غير مسلجين. وتظهر هذه الأرقام ازدياد في معدل الرجوع. مع أن باكستان تعهدت خلال زيارة وزير المهاجرين الأفغان إليها بأن تبدأ تسجيل اللاجئين غير المسجلين، لكن العملية لم تبدأ بعد، وبالنظر إلى الأوضاع السياسية الأخيرة قد تتأخير العملية كثيرا.[12]

ويرجع بعض اللاجئين المسلجين أيضا، لكنهم يسطيعون البقاء في باكستان إلى نهاية عام 2015م، رغم مستقبلهم الغامض بعد عام 2015م، فإما أن يتم تمديد مهلة بطاقاتهم، أو يواجهوا الغموض، أو يرجعوا.

بقية العالم: يواجه اللاجئون الأفغان إلى أوروبّا خطرا عظيما، وفي بعض الأحيان يُقتلون على أيدي شرطة الحدود، أو تغرق سفنهم. وبعد الوصول إلى أوروبّا يمضون فترات طويلة من دون أي عمل، وأحيانا يسكنون الغابات لأمد طويل.

النهاية

[1] See online:

http://www.aljazeera.com/news/2015/08/record-influx-migrants-europe-mediterranean-eu-150819022218296.html

[2] see online:

http://www.state.gov/documents/organization/245365.pdf

[3] see online:

http://1tvnews.af/en/news/afghanistan/17186-syrians-replace-afghans-as-largest-refugee-population

[4] see online:

http://www.bbc.com/news/world-europe-24583286

[5] see online:

http://www.bbc.com/pashto/world/2015/08/150818_gn_germany_to_expect_750000_refugees_in_2015_report

[6] see online:

http://www.unhcr.org/print/552e603f9.html

[7] see online:

http://www.telegraph.co.uk/news/worldnews/europe/italy/11782584/More-than-2000-migrant-deaths-in-Mediterranean-in-2015-says-monitoring-group.html

[8] see online:

http://ec.europa.eu/eurostat/statistics-explained/index.php/File:Countries_of_origin_of_(non-EU)_asylum_seekers_in_the_EU-28_Member_States,_2013_and_2014_YB15_III.png

[9] see online:

http://www.rt.com/news/311650-afghanistan-death-toll-2015/

[10] see online:

http://www.state.gov/documents/organization/243558.pdf

[11] see online:

http://afghanistan.iom.int/sites/default/files/Reports/undocumented_afghan_returns_from_iran_and_pakistan_jan-jun_2015.pdf

[12] see online:

http://afghanistan.iom.int/sites/default/files/Reports/undocumented_afghan_returns_from_iran_and_pakistan_jan-jun_2015.pdf

الاتفاق النووي الإيراني الغربي وأثره على أفغانستان والمنطقة

منذ بضعة عقود كان ملف النووي الإيراني قضية ذات أهمية في الشرق الأوسط وسببت تدهورا في علاقات الثورة الإيرانية الإسلامية مع دول عدة في المنطقة وخاصة السعودية وإسرائيل. فهذه الدول رأت إلى إيران الذرية كخطر على نفسها وفي الوقت نفسه اعتبرت إيران قوة منافسة أمام نفوذها في المنطقة. ومنها اقتربت بعض الدول العربية ومعها إسرائيل من أمريكا ورحّبت بوضع العقوبات على إيران.

وكانت المحادثات جارية بين إيران والغرب على الملف النووي منذ عقد من الزمن، إلا أنها دخلت مرحلة تطورية فور تسلم حسن روحاني الرئاسة الإيرانية، وبعد 18 أشهر من المحادثات وصل الطرفان على توافق مبدئي مهّد الطريق لتوقيع اتفاقية نووية تاريخية على حد تعبير الطرفين.

وظهرت ردود فعل واسعة على المستوى العالمي بشأن التوافق، رحّبت بها دول كثيرة، كما ورحّبت بها كل أعضاء مجلس الأمن في الأمم المتحدة ضمن قرار برقم 2231. من جهة أخرى وفي الشرق الأوسط كانت ردود فعل مخالفة بشأن هذا الاتفاق، مما سبب تدهورا في علاقات بعض الدول العربية وإسرائيل مع أمريكا، وبعثت أمريكا وزيرها للدفاع إلى هذه الدول للإطمئنان، فالتقى ايشتن كارتر مع العاهل السعودي ملك سلمان ونتنياهو في إسرائيل.

إلى جانب ذلك، ظهرت في الإعلام الغربي توقعات بتعزيز العلاقات الدفاعية بين أمريكا وإسرائيل، وذلك للحد من المخالفة الإسرائيلية.

إن توافق إيران مع القوى النووية العالمية الست ستؤثر حتما على إيران وعلى سياستها الخارجية، ولكن ماذا سيكون أثره على المنطقة وأفغانستان؟

نظرة على برنامج إيران النووي

بدأ برنامج إيران النووي عام 1957م، عندما بدأت أمريكا التعاون مع إيران في خطة “النووي من أجل السلام”. بعدها تغير هذا التعاون بمنح أمريكا لإيران “خمسة ميكاوات من المفاعل النووية البحثية”[1]. حينها كانت العلاقات الأمريكية الإيرانية على ذروتها، وكانت طهران تُعتبر من حماة المصالح الأمريكية في المنطقة.

أسس رضاه شاه عام 1974م، منظمة إيران النووية، وأظهر أملا بأن تتمكن إيران في 20 عاما القادمة من توليد 23 ألف ميكاوات من الكهرباء عبر هذه الطاقة[2]، ولكن بعد حدوث “الثورة الإسلامية” في إيران تدهورت العلاقات الأمريكية الإيرانية، وكانت لها عوامل كثيرة على رأسها:

أولا: نقد الثوريين على أمريكا والغرب،

ثانيا: حبس الدبلوماسيين الأمريكيين،

ثالثا: وضع العقوبات على إيران.

رغم تدهور العلاقة تم التعاون الأمريكي مع البرنامج النووي والذي كانت في ثوب سلمي. إضافة إلى ذلك دخلت إيران في حرب طويلة مع العراق، ويرى بعض المراقبين بأن إيران اقتنعت خلال هذه الحرب بضرورة امتلاكها سلاحا نوويا كي تضمن أمنها.

وعلى حد وصف “منظمة الطاقة الذرية العالمية” حصلت إيران عام 1987م، على بعض مساعدات فنية من قبل عبدالقدير خان[3]. وفي التسعينيات وضعت أمريكا بعض التحضيرات على إيران، ازدادت أكثر فأكثر من عام 2002م، إلى عام 2014م. وبدأت إيران محادثات مع دول 5+1 على برنامجها النووي[4]. شهدت هذه المحادثات منحنيات كثيرة، ولكن لم يصل الطرفان إلى أية نتيجة حاسمة.

عندما أصبح حسن روحاني رئيسا لإيران، بدأت المحادثات على النووي من جديد، وتكلم الرئيس الأمريكي أوباما مع روحاني عبر هاتف، وكان ذلك أول اتصال على هذا المستوى منذ بضعة عقود.

في البداية اتفقت أمريكا مع إيران على اتفاقية لمدة ستة أشهر، كان بموجبه على إيران توقيف تخضيب اليورانيوم لمدة ستة أشهر، وعلى أمريكا توقيف وضع الحضيرات على إيران من أجل النووي الإيراني[5]. وأما الآن فقد تم التوافق مبدئيا على اتفاقية طويلة المدى بين إيران ودول 5+1.

إلى جانب ذلك، ظهرت في الإعلام الغربي توقعات بتعزيز العلاقات الدفاعية بين أمريكا وإسرائيل، وذلك للحد من المخالفة الإسرائيلية

الآن وبعد أربعة أشهر من المحادثات تطور توافق لوزان المبدئي إلى اتفاق جامع في فييانا.

ائتلاف إيراني أمريكي غير معلن

تحدث الإعلام كثيرا عن خطة أوباما، وصرّح هو بنفسه في حوار مع صحيفة نيويورك تايمز قائلا: “نحن نتعهد بالجاد أنهم (الإسرائيليون) يحافظوا على تفوقهم العسكري في المنطقة”. ولكنه يريد أيضا أن يخرج علاقاته مع كيوبا، وميانمار وإيران من دوّامه العقوبات. ومن هنا عزز علاقاته المتدهورة منذ خمسة عقود مع كيوبا من جديد، ووصل مع إيران، تزامنا مع انتشار داعش، على اتفاق نووي.

ويرى د.أحمد الموصلي أستاذ في الجامعة الأمريكية في بيروت بأن الأمريكيين وصلوا إلى قناعة بعدم القدرة على إرسال الجنود إلى الميدان، وأن إيران وحدها تستطيع محاربة التكفيريين. وبسببه أبرمت أمريكا الاتفاق النووي مع إيران وهو ما سيعزز الاقتصاد الإيراني كثيرا. وستعاد مثلا إلى إيران 120 مليار دولار من أموالها المجمدة، وسيرتفع إصدار إيران من النفط الذي تقلص على إثر تعزيرات 2012 و2013 إلى 50%. وهناك شركات دولية كثيرا ترغب في الاستثمار في إيران.

وتأتي الاتفاقية النووية في حال تريد أمريكا إحداث ائتلاف ضد داعش، وفي الصعيد نفسه زار قائد أركان الجيش الأمريكي أفغانستان. وتريد إيران أيضا إحداث نفس الائتلاف في المنطقة لاعتبارها داعش أكبر خطر على أمنها.

أثر الاتفاق النووي الإيراني الغربي على المنطقة

الشرق الأوسط: أثار الاتفاق النووي الغربي مع إيران ردود فعل كثيرة في السعودية وإسرائيل، لأن إيران تُعتبر منافسا قويا لهما في المنطقة. تتهم إسرائيل إيران بدعم حماس، وهناك منافسة إقليمية استراتيجة بينهما، أما السعودية فهي في منافسة فكرية واستراتيجية مع إيران.

اعتبرت إسرائيل هذا الاتفاق “خطأ تاريخيا”، ورأى نتنياهو رئيس الكيان الإسرائيلي أن هذا الاتفاق سيحول إيران إلى قوة ذرية خلال أسابيع عدة، وأن رفح التعزيرات سيجلب أموالا كثيرة لإيران مما سيعزز دخل إيران للصرف على صواريخ بعيدة المنال ودعم حزب الله وحلفائها.

وأظهرت السعودية أيضا قلقها من هذا الاتفاق، لأنها تخاف من إيران النووية. وتسائل المسؤولون السعوديون من كارتر وزير الدفاع الأمريكي خلال زيارته للمملكة، إذا ما خالفت إيران الاتفاق فهل تعود أمريكا لوضع العقوبات المالية؟ وتعهد وزير الدفاع الأمريكي بذلك لهم[6].

آسيا الجنوبية: وترى باكستان إلى ذلك بتفائل، لأنها سترفع سقف تجارتها مع إيران من جهة، ومن جهة أخرى تبدأ عملها في مشارع مشتركة مع إيران تم وقفها بضغوط أمريكية مثل مشروع غاز بين إيران وباكستان والهند.

ورحّبت الهند بالاتفاق أيضا واعتبرته في مصلحتها، لأن الاتفاق يفتح الباب أوسع على وجه تعاونات اقتصادية وتجارية بين الهند وإيران.

إيران تملك كثيرا من مصادر الغاز والنفط والهند بلد مصرفي يستورد كثيرا من الطاقات الضرورية، فيمكنها استيراد النفط من إيران. كانت الهند تستورد في 2008 و2009، 17% من ضرورتها في الطاقة من إيران، ولكن بعد وضع العقوبات الأمريكية على إيران توقف مشروع أنبوب الغاز بين إيران وباكستان والهند وتقلص استيراد الهند من إيران إلى 6%. إضافة إلى ذلك يصب هذا الاتفاق في صالح الهند في مجال النقل ويمكنها الوصول إلى أفغانستان وآسيا الوسطى عبر معبر شابهار.

أثر الاتفاق الإيراني الغربي على أفغانستان

يشعر كثير من الأفغان بقلق تجاه الاتفاق النووي بين الغرب وإيران، لأنهم يرون بأن الاقتصاد الإيراني المتصاعد يوفر أرضية أوسع لدعم حلفاء إيران في البلد وفي تعزيز الهجوم الثقافي. ولكن هناك من يرى غير ذلك، ويتوقع أن ينفع الاتفاق أفغانستان في المجال التجاري والاستراتيجي والاقتصادي. في الحقيقة سيؤثر هذا الاتفاق إيجابيا وسلبيا معا على الوضع الأفغاني.

إنه سيكون في صالح أفغانستان، لأن إيران يمكنهما من جهة العمل على مشارع اقتصادية مثل (أنبوب غاز بين الصين وأفغانستان وإيران)، ومن جهة أخرى ستدخل في منافسة مع إيران في مجال النفط، لأن أي بلد يرغب بمرور الأنبوب من أرضه. وتكمن الأزمة الأفغانية هنا في الوضع الأمني المتدهور يوميا، ولذلك لا يمكن العمل لا في المناجم ولا في أنابيب الغاز.

وبسبب الاتفاق النووي بين إيران والغرب ستنخفض أسعار النفط في الأسواق. لأن إيران تصدر حاليا 1.2 مليون برميل يوميا، وكان الرقم قبل وضع العقوبات 2.2 مليون برميل يوميا. وعند رفع العقوبات بناءً على الاتفاق النووي يرتفع التصدير الإيراني مما يزيد عرض النفط إلى الأسواق وهو ما يسبب انخفاضا في أسعاره. ولأن أفغانستان تصرف الكثير في استيراد النفط يمكنها بعد ذلك استيراد النفط من إيران بسعر أقل.

وسيجلب الاتفاق النووي تعاونا بين أمريكا وإيران في أفغانستان. وعلى حد تعبير محمد رضا بهرامي السفير الإيراني في كابول سوف يفتح رفع العقوبات الباب على الاستثمار الإيراني في أفغانستان، ويدعم البلد في مجال النقل. فقد تم وقف العمل، المدعوم هنديا، على معبر شاه بهار الإيرانية على مقربة من معبر غوادر الباكستانية بأسباب منها العقوبات الأمريكية على إيران. الآن وفي حال رفع العقوبات وانهماك الهند في التعاون مع إيران سوف يبدأ العمل على شاه بهار وهو ما سيؤثر كثيرا على أفغانستان في مجال النقل.

وفي المجال التجاري تزداد التجارة مع العالم والهند، لأن التُجار الأفغان يواجهون مشاكل كثيرة في باكستان، ورغم تحسن العلاقات بين البلدين تبقى هذه المشاكل على حالها. من جهة أخرى وبسبب اتفاقية “أبتا”، والعلاقات الهندية الباكستانية لا يمكن للتجار الأفغان أن ينخرطوا عبر باكستان في معاملات تجارية مباشرة مع الهند.

ويمكن لأفغانستان أن تلعب دور الوساطة في نقل الأمتعة الهندية إلى آسيا الوسطى، لأن الهند يمكنها بناء صلة مع تركمنستان عبر إيران فقط، لكنها تحتاج إلى أفغانستان في الوصول إلى طاجكستان وهي بلد له علاقات وثيقة مع الهند.

في المقابل هنك آراء سلبية تبعث على القلق، ومنها أن إيران يمكنها بعد رفع العقوبات أن يطلق عنان مواجهتا مع داعش في أفغانستان. وفيما تم ذلك بدون تنسيق مع الحكومة الأفغانية فإن إيران سوف تلجأ إلى مجموعة أخرى لتقاتل داعش. وهناك من يرى بأن أفغانستان بعد هذا الاتفاق سوف يصبح ميدانا للمنافسات والسياسات الإقليمية بالوكالة.

النهاية

[1] Iram Khalid & Rehana Saeed Hashmi, Iranian Nuclear Deal: Future Perspectives and Implications for the Region, Pakistan Vision, Vol. 15, No.1

[2] Arms Control, Timeline of Nuclear Diplomacy with Iran.

[3] Albright, D. (2007). Iran’s Nuclear Program: Status and Uncertainties, Washington DC: Congress Committee on Foreign Affairs.

[4]  دول 5+1 هي خمسة دول الأعضاء الدائمة في مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا.

 [5] راجع الرابط التالي:  http://www.aljazeera.com/news/middleeast/2013/11/shifting-focus-impact-iran-nuclear-deal-2013112481732726811.html

[6] لمزيد من التفاصيل راجع الرابط التالي:

http://www.nytimes.com/2015/07/23/world/middleeast/iran-nuclear-deal-saudi-arabia.html?_r=0

حرب روسيا والغرب الباردة وأثرها على المنطقة

مع أزمة أوكرانيا عام 2014م، تحدثَ كثير من المحللين عن حرب باردة ثانية بين روسيا والغرب، وخاصة أوروبّا، وتنبأوا بأن العالم يقف على هاوية حرب باردة أخرى. لم تنته أزمة أوكرانيا بعد ولم ترجع العلاقات الأمريكية الروسية إلى وضع سويّ. وفي مثل هذه الأوضاع يبدو من تصريحات الرئيس الروسي بوتين، ومن رد الناتو وأمريكا بأن العلاقات بين البلدين تشرف على مرحلة حرجة، وأن هذه الحرب الباردة (الثانية) تشتد أكثر.

إضافة إلى ذلك، عُقدت في 24 و25 من شهر يونيو الجاري، قمة وزراء الدفاع للناتو، وتمت فيها مناقشة أوضاع روسيا وأوروبّا وأفغانستان. بما أن العالم يتجه نحو حرب باردة أخرى ما الذي يقف خلفها، وماذا سيكون أثر الوضع المتدهور بين روسيا وأوروبّا على المنطقة عامة وعلى أفغانستان خاصة؟

خلفية القضية

منذ الثورة الشيوعية عام 1917م، في روسيا، ظهر منافس شيوعي أمام الرأسمالية الغربية، وبعد الحرب العالمية الثانية بدأت رسميا الحرب الباردة (الأولى) بين روسيا والغرب، أثرت بشكل كبير على مجريات الأمور على المستوى العالمي. وقام الأمريكيون والأوروبّيون عام 1949م، بإحداث الناتو لصد التوسع النظري الشيوعي الروسي، وجاء في المادة الخامسة في دستورها: “إن الهجوم على عضو، لهو هجوم على جميع الأعضاء!”.

إلى جانب ذلك، أراد الرئيس الأمريكي ترومن بخطة له، وضع حصار على الفكر الشيوعي في آسيا وأوروبّا، إلى أن دخلت أمريكا في عهد الرئيس “أيزن هاور”، في اتفاقيات “سيتو”، و”سينتو” مع الشرق الأوسط ودول آسيا الجنوبية. لم تؤثر هذه الاتفاقيات على أفغانستان، ولكن بعد أن اجتاحت روسيا أفغانستان أثر ذلك سلبا على الوجه الروسي ووقفت كثير من الدول لدعم المجاهدين الأفغان وتم إجبار روسيا للخروج من أفغانستان.

الحرب الباردة الجديدة

عام 1989م، عندما خرج الروس من أفغانستان، سببت نزعات الحرية في آسيا الوسطى، وهزيمة روسيا العسكرية والسياسية والدبلوماسية وأزماتها الاقتصادية انهيار الاتحاد السوفياتي. مع انهيار الاتحاد السوفياتي حصلت دول في شرق أوروبّا وفي آسيا الوسطى على استقلالها، وجذبت اهتمام العالم إليها.

وكان عدد من حكام هذه الدول من الموالين للاتحاد السوفياتي والشيوعيين السابقين، وفي بعض المناطق حدثت خلافات بين الغرب وروسيا على خلع هذه الوجوه، خلافات انتهت إلى أزمات وحروب.

في 2003 و2004 حدثت تحركات مناوئة لروسيا في جورجيا وأوكرانيا، عُرفت بالثورة الوردية والبرتقالية. انصبت محاولات هذا الحراك على خلع حكام موالين لروسيا، وتدهورت على إثرها العلاقات بين الغرب وروسيا. عام 2003 قامت في جورجيا حكومة موالية للغرب، وحدثت بينها وبين روسيا خلافات على “أبخازيا”، و”أوزيتا الجنوبية”، وصلت تلك الخلافات ذروتها عام 2008م، إلى أن اجتاحت روسيا جورجيا وأعلنت استقلال منطقة أبخازيا.

وفي انتخابات عام 2004م، فاز المرشح الموالي للروس، ويكتور يانوكوويش، حدثت بعدها مظاهرات مما حملت القضاء العالي إلى إصدار القرار بإعادة إجراء الانتخابات، وفاز فيها مرشح موالٍ للغرب هو ويكتور يوشينكو. اعتبر بوتين أن المظاهرات كانت بتحريض من الغرب وتدهورت بذلك العلاقات بين روسيا والغرب.

جرت انتخابات أخرى عام 2010م، وفاز فيها ويكتوريانو كوويش الموالي لروسيا، وعمل على عدم انحياز خارجية بلده. وكانت لهذه الحكومة من 2010 إلى 2013 علاقات جيدة مع الاتحاد الأوروبّي إلى أن أجرى يانوكوويش محادثات مع الاتحاد للشراكة ووصل الأمر على وشك توقيع الاتفاقية، قامت موسكو بوضع ضغوط عليه مما جعله يمتنع من توقيع الاتفاقية، وهو أمر أدّى إلى خروج مظاهرات واسعة ضده أصبحت ثورة عام 2014م.

وفي هذا العام وصل رجل أعمال الموالي للغرب بوروشينكو إلى السلطة وقام بتوقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبّي، ولكن ذهاب يانكوويش من السلطة وتوقيع الاتفاقية مع الاتحاد الأوروبّي سببت مظاهرات شرقي البلد، وتم تمهيد الطريق للاجتياح الروسي إلى أن جرى استفتاء شعبي في جزيرة القرم وأصبحت جزءا من روسيا.

ودوما انتقد الغرب الموقف الروسي في أوكرانيا واعتبر موسكو سبب كل سوء. ومن هنا ومنذ سنة وضع الغرب تعزيرات كثيرة على روسيا، وعلّق كثيرا من علاقاته مع روسيا. إضافة إلى ذلك هناك خلافات أخرى بين روسيا والغرب في ملف إيران وسوريا.

تهديد روسيا وردة فعل الغرب

زيارة وزير الدفاع الأمريكي إلى أوروبّا: قام كارتر وزير الدفاع الأمريكي كردة فعل لتصريحات بوتين بزيارة إلى دول أوروبّية. وأهم ما كان في الزيارة أن أمريكا سترسل بعد عامين أسلحتها إلى أوروبّا. وفي هذا المجال أظهر المسؤولون في كل من استونيا، وليتوانيا، ولاتفيا، وبلغاريا، ورومانيا، وبولندا، استعدادا لقبول أسلحة أمريكا. ويقال إن أمريكا سترسل إلى أوروبّا أسلحة حسب الضرورة.

ردة فعل الناتو: لقد أثارت الخلافات والقتال في أوكرانيا منذ سنة ومعها تصريحات بوتين الأخيرة بأن روسيا ستخزن ترسانتها النووية في 40 قارة، أوروبّا كثيرا. وكردة فعل لهذه التصريحات بدأت الناتو تدريبات عسكرية في بولندا، وفي 24 و25 من شهر يونيو عُقدت قمة وزراء دفاع الناتو لتناقش قضايا أوكرانيا وروسيا وأفغانستان. وتم أخذ القرار في هذه القمة بأن الناتو سترفع عدد قواتها من 13 ألف إلى 40 ألف، وأنها ستجدد أسلحتها النووية.

إلى جانب ذلك ستقوم الناتو بتشكيل وحدات قيادية في دول أوروبّية، وتستقر هذه الوحدات غالبا في دول واقعة شرقي أوروبّا مثل بلغاريا، واستونيا، ولاتفيا، ليتوانيا، وبولندا، ورومانيا. هو أمر يظهر سيناريو حرب باردة.

أثر الحرب الباردة الجارية على المنطقة

مع أن الأمريكان يجنبون أنفسهم بدء حرب باردة “ثانية”، ومن هنا قال أوباما الرئيس الأمريكي، إن هذه ليست حربا باردة، إنما هي عدم قبول روسيا بإرادة أوكرانيا[1]. وتحدث وزير الدفاع الأمريكي في زيارته إلى أوروبّا بنفس اللغة، وأنهم لا يريدون بدء حرب باردة[2]، ولكن رغم هذه التحفظات الدبلوماسية لقد بدأت بين روسيا والغرب حرب باردة غير رسمية.

تخوض الآن روسيا والغرب حربا باردة، وصلت تردداتها إلى سوريا، وإيران، وأوكرانيا، وأوروبّا الشرقية، وآسيا الوسطى. قامت روسيا في الأمم المتحدة باستخدام (ويتو) أما أي قرار غربي مخالف لبشار الأسد، واقترحت لإيران قوة الدفاع الجوي. وفي أوكرانيا جعلت جزيرة القرم من أراضيها، وبدأت شرقي أوروبّا منافسة مع الناتو.

فإن الحرب الباردة الجديدة خلقت تنافسا على الأسلحة من جهة، ومن جهة أخرى إذا ما تمت تجزئة العالم من جديد فإن حدوث حروب أهلية كثيرة يكون من الممكن. وتصريحات بوتين الأخيرة بأن روسيا ستخزن ترسانتها النووية في 40 جزيرة، أثارت ردود فعل أوروبّية واسعة. منها قرار أمريكا في جلسة عسكرية بوضع آليات عسكرية في دول أوروبّية، وقرار الناتو برفع عدد جنودها من 13 ألف إلى 40 ألف ومحاولتها تجديد الأسلحة النووية بحوزتها، إضافة إلى تشكيل وحدات قيادية في ستة دول أوروبّية. كل ذلك سوف يخلق في المنطقة وخاصة في أوروبّا منافسة على الأسلحة، وسوف تتقوى شركات الأسلحة الكبيرة في كل بلد، وهو أمر يهدد أمن العالم على الأمد البعيد.

وفي حال استمرار هذه المنافسة الروسية الغربية، فإن ذلك سيؤثر كثيرا على الاقتصاد الأوروبّي. على سبيل المثال انخفض دخل أوكرانيا الصناعي عام 2014 من 20% إلى 10%.

على أساس تحقيق لمجلة (إكانوميست)، إلى نهاية الحرب الباردة سوف يشهد 18% من سكان العالم حروبا أهلية، لأن أي جهة في الحرب تدعم من يخالف عدوه، وبذلك ستندلع حروب بالوكالة في دول كثيرة، وبنهاية الحرب الباردة تكون الحرب الأهلية أقل مقارنة بأثناء الحرب الباردة، لأن دعم المخالف يختفي[3].

من جهة أخرى، قرّبت هذه الحرب الباردة روسيا من الصين كثيرا. وفي حال رغبة روسيا في الحصول على دعم صيني في هذه الحرب، عليها أن تدعم الصين في البحر الجنوبي.

مع وجود خلافات حادة وكثيرة بين أمريكا وروسيا منذ عقد من الزمن، إلا أن تأييدا في بعض المجالات مثل أفغانستان حدث بينهما. ولكن الحرب الباردة الجديدة أثرت كثيرا على مجال التعاون بين أمريكا وروسيا وقد قامت الأخيرة بسد الطريق على تجهيزات الناتو لفترة.

النهاية

[1] Office of the White House Press Secretary, ‘Statement by the President on Ukraine’, 29 July 2014, http://www.whitehouse.gov/the-press-office/2014/07/29/statement-president-ukraine

[2] Jonathan Beale, Moving ever closer to a new cold war, BBC NEWs, 24 June 2015, see online:< http://www.bbc.com/news/world-europe-33237439>

[3] How to Stop Fighting, Sometimes’, The Economist, 7 November 2013, http://www.economist.com/news/  briefing/21589431-bringing-endconflicts-within-states-vexatioushistory-provides-guide

المحادثات الإيرانية الأمريكية وأثرها على المنطقة

 

إن برنامج إيران النووي احتل مكانة ذات أهمية في السياسة العالمية منذ بضعة عقود من الزمن، وشغل الإعلام كثيرا. وقد استمرت المحادثات الأمريكية الإيرانية بشأن هذا البرنامج بطريقة أو بأخرى منذ عقد، إلا أنها، وبتسلم حسن روحاني الرئاسة الإيرانية، دخلت مرحلة جديدة أصبحت على قدم وساق، والآن وبعد 18 شهرا من المحادثات وقع أول اتفاق بين أمركيا وإيران.

وسيكون على اتفاق بين إيران وست دول عظمى تأثير كبير على مسار القوة في المنطقة وعلى السياسة العالمية.

نظرة على برنامج إيران النووي

بدأ برنامج إيران النووي عام 1957م، عندما بدأت أمريكا التعاون مع إيران في خطة “النووي من أجل السلام”. بعدها تغير هذا التعاون بمنح أمريكا لإيران “خمسة ميكاوات من المفاعل النووية البحثية”[1]. حينها كانت العلاقات الأمريكية الإيرانية على ذروتها، وكانت طهران تُعتبر من حماة المصالح الأمريكية في المنطقة.

أسس رضاه شاه عام 1974م، منظمة إيران النووية، وأظهر أملا بأن تتمكن إيران في 20 عاما القادمة من توليد 23 ألف ميكاوات من الكهرباء عبر هذه الطاقة[2]، ولكن بعد حدوث “الثورة الإسلامية” في إيران تدهورت العلاقات الأمريكية الإيرانية، وكانت لها عوامل كثيرة على رأسها:

أولا: نقد الثوريين على أمريكا والغرب،

ثانيا: حبس الدبلوماسيين الأمريكيين،

ثالثا: وضع التحضيرات على إيران.

رغم تدهور العلاقة تم التعاون الأمريكي مع البرنامج النووي والذي كانت في ثوب سلمي. إضافة إلى ذلك دخلت إيران في حرب طويلة مع العراق، ويرى بعض المراقبين بأن إيران اقتنعت خلال هذه الحرب بضرورة امتلاكها سلاحا نوويا كي تضمن أمنها.

وعلى حد وصف “منظمة الطاقة الذرية العالمية” حصلت إيران عام 1987م، على بعض مساعدات فنية من قبل عبدالقدير خان[3]. وفي التسعينيات وضعت أمريكا بعض التحضيرات على إيران، ازدادت أكثر فأكثر من عام 2002م، إلى عام 2014م. وبدأت إيران محادثات مع دول 5+1 على برنامجها النووي[4]. شهدت هذه المحادثات منحنيات كثيرة، ولكن لم يصل الطرفان إلى أية نتيجة حاسمة.

عندما أصبح حسن روحاني رئيسا لإيران، بدأت المحادثات على النووي من جديد، وتكلم الرئيس الأمريكي أوباما مع روحاني عبر هاتف، وكان ذلك أول اتصال على هذا المستوى منذ بضعة عقود.

في البداية اتفقت أمريكا مع إيران على اتفاقية لمدة ستة أشهر، كان بموجبه على إيران توقيف تخضيب اليورانيوم لمدة ستة أشهر، وعلى أمريكا توقيف وضع الحضيرات على إيران من أجل النووي الإيراني. وأما الآن فقد تم التوافق مبدئيا على اتفاقية طويلة المدى بين إيران ودول 5+1.

فرص نجاح الاتفاقية النووية

فقد حاول كل واحد من الرؤساء الأمريكيين بأن يخلد ذكره في التاريخ عبر عمل أساسي وتاريخي. وعلى أساس ذلك يحاول أوباما بأن ينجح في هذه القضية وأن يصرف إيران من صنع قنبلة ذرية.

من جهة أخرى، واجهت إيران في زمن أحمدي نجاد وبسبب سياساته المتشددة تحضيرات اقتصادية كثيرة أثرت على البلد. وعلى ذلك يرى حسن روحاني ضرورة ملحة لرفع هذه التحضيرات وينوي النجاح في ذلك.

عامل آخر لعب دورا في نجاح عملية المحادثات هو فتوى لمرجعين من مراجع الشيعة في إيران تقطع بتحريم صنع القنبلة الذرية. الأولى أصدرها عام 1996م، آية الله خميني، والثانية أصدرها خاتمي. وهو أمر تستند به إيران في المحافل الدولية وتؤكد أنها تهدف من خلال هذا البرنامج إلى أهداف سلمية.

تأثير التوافق الأمريكي الإيراني على المنطقة

إن التوافق الإيراني الأمريكي على البرنامج النووي سيعقبه تنديد سعودي وإسرائيلي، لأن إيران تُعتبر منافسة لهاتين الدولتين في المنطقة. تتهم إسرائيل إيران بأنها تساعد حماس، وهناك منافسة استراتيجية وإقليمية أيضا بينهما، وأما بين السعودية وإيران فهناك منافسة أيديولوجية حادة. فقد أظهرت السعودية وإسرائيل قلقا تجاه الاتفاقية المبدئية ولكنهما ستشاركان في صناعة الاتفاقية.

فإن انصراف إيران من صنع أسلحة ذرية هو في مصلحة أمريكا وهاتين الدولتين في آن واحد. لأنه من الطبيعي بأن أمريكا لا توقع أية اتفاقية مع إيران لا تصرفها عن صنع الذرية. وهذه الاتفاقية ستوقف آمال إيران من أجل امتلاك السلاح النووي.

وبرفع التحضيرات على إيران، سيكون لهذه الدولة شأن كبير في السياسة الإقليمية كما وفي السياسة العالمية. سوف تزداد التجارة الإيرانية، وسوف تنطلق الخدمات المصرفية على أشدها وتستطيع إيران إصدار نفطها إلى الأسواق العالمية.

إن حالة الاقتصاد الإيراني بعد رفع التحضيرات سوف لا تكون مرغوبة لدى السعودية وإسرائيل، لأن ذلك سيوفر لإيران أرضية أوسع للتواجد في الشرق الأوسط.

وترى باكستان هي الأخرى إلى هذه القضية بآمالها، لأنها تستطيع أن تزيد الحجم التجاري مع إيران من جهة، ويمكنها العمل على المشارع الاقتصادية المشتركة (مثل مشروع غاز إيران-باكستان-الهند)، لأن باكستان والهند انصرفتا عن هذا المشروع برأي البعض تحت ضغوط أمريكية.

وستكون هذه الحالة في مصلحة أفغانستان أيضا، لأن العمل على مشارع (مثل مشروع غاز الصين-أفغانستان-إيران) سيكون ميسورا، ومع ذلك هناك منافسة مع إيران على أنبوب الغاز، لأن كل جانب ينوي أن يمر الأنبوب من أرض بلده. ولكن إذا لم يتم إنصراف إيران من صنع القنبلة الذرية فإن ذلك سيكون تهديدا مستقبليا لأمن أفغانستان، وستكون أفغانستان محاصرة من قبل الدول الذرية. فمن الآن تمتلك روسيا والهند، والصين وباكستان أسلحة ذرية، (الأخيرتان جارتان) وستكون إيران دولة ذرية أخرى على الحدود مع أفغانستان.

النهاية

[1] Iram Khalid & Rehana Saeed Hashmi, Iranian Nuclear Deal: Future Perspectives and Implications for the Region, Pakistan Vision, Vol. 15, No.1

[2] Arms Control, Timeline of Nuclear Diplomacy with Iran.

[3] Albright, D. (2007). Iran’s Nuclear Program: Status and Uncertainties, Washington DC: Congress Committee on Foreign Affairs.

[4]  دول 5+1 هي خمسة دول الأعضاء الدائمة في مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا.

 

 

محادثات لوزان ومستقبل برنامج إيران النووي

 

استمرت المرحلة الرابعة من محادثات إيران مع دول 5+1 في مدينة لوزان إلى 2 من فبرابر/شبّاط 2015م. وكان من المقرر أن تصل هذه المحادثات إلى نتيجة حاسمة حتى نهاية شهر مارس/آذار 2015م، ولكن وبعد نهاية هذا الأجل تم تمديد المهلة وأعتبرت تلك ضرورة للوصول إلى توافق نهائي بشأن هذا الملف.

خلفية التحضيرات والمخالفات الغربية

وفي الماضي كانت إيران في زمن “الشاه” قد شرعت مشروعا نوويا لأهداف سلمية كما أظهروا، وتم تأسيس منشآتها في مدينة بوشهر. أما في تلك الفترة وبسبب التقارب الإيراني الغربي لم تواجه إيران أي ضغوط غربية أو إسرائيلية.

وكانت هناك نزاعات حدودية بين إيران والعراق، وكردة فعل للمشروع النووي الإيراني بدأ صدام حسين في بناء منشآت نووية، وانطلقت بذلك منافسة جادة بين جارتين للحصول على التقنية الذرية، في ثوب سلمي.

وبعد فوز “الثورة الإسلامية الإيرانية” حدثت حرب بين البلدين، ونفذت الطائرات العراقية هجمات على منشآت بوشهر في بداية العمل عليها وتأثرت بهذه الهجمات كثيرا. ومن جهة أخرى نفّذت إسرائيل هجمات جوية على منشآت العراق باعتبارها عدوا خطيرا، وقضت عليها.

بعد الحرب العراقية الإيرانية عملت إيران على نهج السرية في برنامجها النووي. وفي عام 1981م أدرك الغرب أن إيران تعمل على هذا المشروع، ومنذ تلك الفترة بدأت المحاولات الغربية من أجل حمل إيران على أن تذر هذا المشروع. وكانت من أبرز التحضيرات الموضوعة على إيران هي التحضيرات الاقتصادية التي منعت إيران من المعاملات التجارية على المستوى العالمي.

وكان سبب ذلك أن إيران وبعد الثورة دخلت في خط عدائي مع أمريكا، وبصفة خاصة أحدث ملف خطف الدبلوماسيين الأمريكان في السفارة الأمريكية في طهران عقلية عدائية تجاه إيران في أمريكا. وقد لعب اللوبي الصهيوني القوي في أمريكا على وضع كثير من التحضيرات على إيران، وسبب ذلك مواجهة عارمة أمام إيران. وقد كلفت هذه التحضيرات إيران مئات مليارات من الدولار. مع أن إيران حاولت إقناع المجتمع الدولي بأن برنامجها النووي يكون من أجل أهداف سلمية، إلا أن صوتها بقي غير مسموع.

أراد الإيرانيون استغلال الفرصة الموجودة للتقارب مع أمريكا وذلك لحمل أمريكا على موقف لين تجاه الملف النووي. فأثناء الغزو الأمريكي على أفغانستان سمحت إيران لأمريكا بأن تستغل جوها لضرب طالبان، ولكن جورج بوش الرئيس الأمريكي وقته، بدلا من شكر إيران، صنّف البلد محورا للشر ومساعدا للإرهاب.

لم تكن إسرائيل وحدها ترى إلى المشروع النووي الإيراني كخطر على نفسها، بل إن دول الخليج، والسعودية كانت تخالف هذا المشروع. وكانت هذه الدول ترى بأن إيران ذات قوة نووية ستخرج من إطار أي سيطرة، وسوف يصبح الهجوم على مثل هذه الدولة أمرا مستحيلا.

خلافات داخلية بشأن التوافق مع دول 5+1

إن الملف النووي الإيراني بسبب أهميته الكبيرة، يقوم بإدارته زعيم البلد آية الله خامنئي. وهناك نوعان من الآراء بشأن هذا التوافق بين الساسة الإيرانيين. يرى المحافظون بأن عدم اتفاق مع هذه الدول هو أحسن من اتفاق سيء، ويرى الإصلاحيون بأن أي اتفاق ولو سيء أحسن من عدم اتفاق. وأما زعيم البلد رغم ميلانه الواضح إلى المحافظين طلب منهم الصمت ريثما تخرج نتائج المحادثات.

وينتقد المعارضون في إيران أصحاب القرار بأنهم بأخذون أسوء القرارات في أسوء الأحوال. وعلى سبيل المثال إن إيران لم تقبل السلام مع العراق في فترة الحرب وقت ما كانت اليد العليا لها، وقبلت بالسلام حينما كان القرار أمر وأدهى.

والآن أيضا اتفقت إيران في أوضاع صعبة من الاقتصاد الداخلي والتهديدات الأمنية الخارجية. فإن تدخل إيران العسكري في سوريا، والعراق واليمن عزز الأزمة الاقتصادية في البلد وجعل الشعب يطلب تحسين الأوضاع.

مطالب إيران من جلسة لوزان

وللجانب الإيراني في محادثات لوزان هدفان اثنان:

  • الحفاظ على الإنجازات العلمية في مجال التقنية الذرية،
  • رفع التحضيرات الاقتصادية من قبل المجتمع الدولي بشكل فوري عقب قبول الاتفاقية.

ولكن هل من الممكن تحقيق الهدفين؟ في الهدف الأول اتفقت دول 5+1 بأن إيران تستطيع أن تحافظ على 6 آلاف من الطاردة أو “جهاز الطرد المركزي”، وبرأى الإخصائيين إن الطاردة الإيرانية هي من صنع روسيا، وترجع إلى عقود ماضية، ولها قدرة ضيئلة مما تكون لدى الدول الكبرى. ويرى البعض بأن إيران في حال قبولها بتدخير 6 آلاف فقط من “الطاردة” ستواجه مشاكل فنية كثيرة، لأن هذا المقدار يستطيع فقط توليد الطاقة الضرورية لمنشآت بوشهر لمدة عام واحد فقط. والحال أن إيران يمكنها شراء وقود المنشآت بسعر أقل من السوق الأجنبي.

وأما بخصوص رفع التحضيرات، فإنه من المعلوم أنها لا تُرفع فور حدوث الاتفاقية. فإن الاتفاقية النهائية سيتم توقيعها في 30 من يونيو، وبعد ذلك سيُقدم مقترح رفع التحضيرات إلى الكونغرس الأمريكي، وسيتم عقد جلسة للاتحاد الأوربّي أيضا. ويمكن لهذه العملية أن تستمر إلى نهاية عام 2015م. جزء من هذه التحضيرات ترجع إلى مجلس الأمن للأمم المحتدة وعلى هذا المجلس عقد إبرام توافق بشأن رفعه، وخاصة رفع التحضيرات المصرفية، وهي الأمر الحيوي للجانب الإيراني.

لذلك يمكننا القول، بأن إيران قد لا تحصل على ما تريد الحصول عليه فور التوافق مع دول 5+1، وعليها انتظار الشهور.

النتيجة

ترى الدول العربية مع إسرائيل إلى هذا التوافق بقلق شديد، وبرأي هذه الدول ستوفر أي اتفاقية إيرانية غربية بشأن الملف النووي الفرصة أكثر فأكثر للتدخل الإيراني في دول أخرى. ومن الآن شكّلت دول الاتحاد العربي ائتلافا عسكرية ضد التدخلات الإيرانية في العالم العربي، وحذر رئيس الوزراء الإسرائيلي من “توافق سيء” مع إيران. وترى الدول العربية بأن رفع التحضيرات الاقتصادية ستعزز الاقتصاد الإيراني، وهو أمر برأي هذه الدول سيوسع نطاق الحرب النيابية الإيرانية في العالم العربي، وتقول إيران إن أي اتفاقية لا ترفع التحضيرات مرفوضة تماما.

ترى أمريكا بأن إيران عليها أن تطمئن الجميع قبل رفع التحضيرات بأنها ستلتزم بتعهداتها في لوزان، لأن وضع هذه التحضيرات من جديد وفي حال عدم التزام إيران بتعهداتها سوف يأخذ وقتا طويلا.

النهاية

 

زيارة أوباما إلى الهند، رسالة إلى دول المنطقة

فيما كانت الهند في 26 من يناير تجري حفلة الذكرى الـ66 للديمقراطية فيها، تميزت الحفلة بحضور الرئيس الأمريكي باراك أوباما، الذي كان في زيارة لمدة ثلاثة أيام في الهند برفقة زوجته.

وكان أوباما أول رئيس أمريكي شارك في هذه الحفلة وفي بلد تُعتبر أكبر ديمقراطية في العالم. وفي خطوة غير مسبوقة رحّب به نارندرا مودي رئيس الوزراء الهندي في المطار، ومن ثم توجهوا إلى القصر الرئاسي حيث تم الترحيب به رسيما بحضور الرئيس الهندي باراناب مكرجي.

وأجريت الحفلة بشغف كبير، وتم فيها استعراض الرقي الهندي في كافة المجالات، وكما عبّرت بعض وسائل الإعلام كانت الحفلة استعراض قوة من قبل الهند على وجه دول العالم.

زيارة ورسائل

على حد تعبير صحيفة “لوس آنجلس”، لم يكن هدف زيارة أوباما المشاركة في حفلة عالمية أو تبادل الآراء حول موضوع خاص فحسب، بل جاءت إجراءات الزيارة بطريقة وفّرت لأوباما لقاءً حميما مع نارندرا مودي رئيس الوزراء الهندي.

ويمكن لنا أن نعتبر هذه الزيارة زيارة ذات رسائل من عدة جوانب، وقد قُرأت الرسائل بوضوح في باكستان. أولا إن أوباما وبمشاركته في حفلة ديمقراطية الهند، عارض الرأي الباكستاني تجاه قضية كشمير. لأن الكشميريين الذين يقاتلون مع الهند من أجل الحرية يسمون يوم الذكرى الهندية، “يوما أسود”، وفعلوا ذلك هذه السنة أيضا.

رسالة أخرى في هذه الزيارة جاءت في اختيار فندق “تاج محل”، مكان إقامة لأوباما وزوجته. وهذا الفندق الذي هوجم عام 2008م، من قبل “لشكر طيبة”، المجموعة الباكستانية المسلحة-، أصبح الآن رمزا للتدخل الباكستاني في الهند، فيكون في اختيار الفندق مكان إقامة لأوباما رسالة واضحة للجانب الباكستاني. ويعني أن سياسات باكستان السلبية في المنطقة والتي تصدر الإرهاب مرفوضة تماما من قبل أمريكا.

أهمية الزيارة للبلدَيْن

هذه الزيارة ليست رمزية فحسب، بل لها أهمية كبيرة من الزاوية العملية للولايات المتحدة كما للهند. قبل أسبوعين بعث أوباما، وزير الخارجية الأمريكي إلى دهلي الجديدة ليمهد أرضية هذه الزيارة، وهي علامة أهميتها للطرفين.

وفي مؤتمر صحفي مشترك بين أوباما ومودي، عُقد بعد ساعات قليلة من وصول أوباما إلى دهلي الجديدة تكلم الرئيس الأمريكي عن رؤى جديدة في المجال التعاون بين أمريكا والهند، وقال إنه وصل مع رئيس الوزراء الهندي إلى توافق بشأن التعاون الأمني والدفاعي، وإن البلدين وصلا إلى تطورات كبيرة في مجال التعاون النووي غير العسكري وهي علامة على صلاحيتنا للتعاون المشترك وعلى تعزيز العلاقات.

وبدوره اعتبر نارندرا مودي التوافق على التعاون النووي غير العسكري علامة على تعزيز العلاقات والثقة بين البلدين، وهي فرصة لتوسيع العلاقة الاقتصادية بين الهند وأمريكا، وقال إن العلاقات الثنائية بين البلدين دخلت مرحلة جديدة. ولعبت مفاوضات أوباما مع المسؤولين الهنديين دورا كبيرا في فتح الطريق نحوه تعاون استراتيجي وفي مجال الأمن النووي.

وفي هذه الزيارة تم التحدث حول تقليل الغازات الدفيئة. إذ تُعتبر الهند ثالث دولة منتجة للغازات الدفيئة، ولكن المسؤولين الهندين حتى الآن لم يتعهدوا بتقليلها. لأنهم يرون إلى تقليل الفقر والرقي الاقتصادي كأولوية لبلدهم.

تقوية الهند والتوازن الاستراتيجي في المنطقة

ولكن خلف كل هذه الابتسامات والمصافحات، هناك هدف كبير وهو برنامج أمريكا للبقاء على مستوى قيادة العالم. وحفاظا على هذه المكانة لابد لأمريكا أن تواجه كل التحديات الموجودة والتي ستشكل في المستقبل خطرا لسيادتها. وهي كانت خطة أمريكية من قبل، إلا أن مشاكل الشرق الأوسط وظهور تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، وأحداث أوكرانيا، أجّلت الخطة الأمريكية.

ويمكن أن نعبر باللغة الدبلوماسية عن التصدي أمام التطلعات الصينية، بالتوازن الاستراتيجي وتأكيد أوباما على التعامل مع آسيا بهدف تعزيز العلاقات التجارية مع الهند. يريد أوباما في العامَيْن الأخرَيْن من حكمه أن ينفذ أولويات أمريكا في المجال الاقتصادي والعسكري والسياسي وهو أمر أخّرته الأحداث المفاجئة.

لا ترغب الصين أن تشارك عسكريا في الأزمات العالمية، وترجح أن توسع نطاق اقتصادها. فيكون من شأن التعاون الأمريكي مع الهند أن تعزز الموقف الهندي في أسواق الصين والدول الأخرى كي تتمكن من المنافسة مع الصين.

بعبارة أخرى يمكن أن نقول إن اللعبة الأمريكية في آسيا بدأت فعلا مع هذه الزيارة غير المسبوقة، ويتصدر قائمة أولويات أمريكا في هذه اللعبة التصدي للصين. لأن الصين تملك من الإمكانيات والصلاحيات ما يمكنها من ملء الفراغ الموجود بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في صعيد الحرب الباردة. وسعة أرض الصين، وعدد سكانها الكبير، مع سوقها المتنامي والرقي الاقتصادي، وعضويتها في مجلس الأمن، علائم بارزة على القوة الصينية، وعلى صلاحية الصين لايجاد توازن استراتيجي أمام طموحات أمريكا.

يرى المسؤولون والنخب الصينيون بأن الحضور الأمريكي العسكري والأمني في آسيا والمتوسط، بأي حجة كان، يهدف إلى شيء واحد، وهو التصدي للصين، لأن الصين يرى إلى النظام العالمي المطلوب كنظام تعددي وهذه الرؤية الصينية مع الرقي الصيني وتعزيز مكانتها في المنطقة تقلق أمريكا، بأن تقود الصين دولا أخرى في مسير معاد لمصالح أمريكا.

أثر هذه الزيارة على الأوضاع العالمية

يمكن لزيارة أوباما أن تعزز الخلافات الإقليمية وخاصة ما بين الهند وباكستان. لقد تكرر مرارا الطلب الأمريكي من باكستان في مجال التصدي للإرهاب ولكن دون جدوى. ولقد أدرك الباكستانيون بأن أمريكا في اللعبة الآسيوية تعتمد على الهند.

لذلك ليس عجبا أن يرى المسؤون الباكستانيون إلى هذه الزيارة بعين قلقة، وتزامنا مع زيارة أوباما إلى الهند سافر راحيل شريف قائد أركان الجيش الباكستاني إلى الصين والتقى مع المسؤولين العسكريين في الصين. وكردة فعل باكستانية لزيارة أوباما إلى دهلي الجديدة، أراد الباكسانيون توجيه رسالة إلى أمريكا تقول إن لباكستان خيار صداقة مع الصين. النهاية

تنصت الهواتف… وصمة عار دولية

يبدو أننا نعيش في عالم تراقب القوى العظمى فيها تحركات البشر، مثل مراقبة الأحياء الدقيقة في المختبرات. عندما لا يمكن للفرد أن يصون مكالماته ومراسلاته، يحس نفسيا أنه عار من اللباس، وأن حياته كلها معرضة لفحص جهة باسم الدولة أو الدولة العالمية.

فجر “ادوارد سنودن” عميل أسبق لدى “سي آي آيه” أو وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، بعد لجوئه إلى روسيا، معلومات أفادت أن أمريكا كانت تتنصت منذ سنوات، حتى لهواتف أصدقائها، مثل رئيسة الوزراء الآلمانية. ولم ينحصر هذا التنصت لهاتف السيدة “ميركل” بل شمل مكالمات العشرات من زعماء الدول وهم يُعتبرون من أصدقاء أمريكا.

بناءً على هذا، وعكس ما يقال، يبدو أن هذا التنصت لم يكن منصبا على الإرهاب، أو على مصادر الجرائم الممنهجة، بل كان يُجرى لهدف أكبر ولنطاق أوسع، وذلك للحفاظ على السيطرة الأمريكية على العالم كله، ومن أجل ذلك على الحكومة الأمريكية أن تعرف ما يدور بخلد زعماء العالم.

تنصت الهواتف مخالفة للحقوق الدولية

بعد أحداث 11 من سبتمبر، اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية، من مكافحة الإرهاب ذريعة، ونقضت بها الحقوق الدولية، وقدمت بأعمالها تعريفا سلطويا لتلك المعايير.

إن “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”، وهو يُعتبر في ظاهر الأمر دستورا مقدسا للديمقراطية الغربية، وفي كثير من الأحيان تُستخدم من قبل أمريكا في مجال حقوق الإنسان، كمعيار في تمييز حسن الدول من قبحها، يقول في المادة 12 منه: “لا ينبغي أن يتعرض أحد في حياته الخاصة، أو في أسرته، أو في مسكنه، أو في مراسلاته، للتدخل العشوائي، ولا أن يتعرض اسمه وشخصيته للهجوم، ولكل حق الحماية تجاه هذه التدخلات والهجمات”.

ويؤيد “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية” هذا المفهوم أيضا. هذا العهد واحد من تعهدات منظمة الأمم المتحدة، وهو مبني على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وقد أصبح سائر المفعول منذ 22 مارس/آذار 1976م. ويأتي في المادة 17 منه ما يلي:

  • لا ينبغي أن يتعرض أحد في حياته الخاصة، أو في أسرته، أو في مسكنه، أو في مراسلاته، للتدخل العشوائي، -دون إجازة قانونية-، ولا ينبغي أن يتعرض اسمه وشخصيته للهجوم غير القانوني.
  • وكل من تعرض لمثل هذه التدخلات والهجمات، فله على القانون حق الحماية.

وتختلف المادة 17 من العهد، مع المادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في أن مادة العهد تذكر “الهجوم غير القانوني”، وهذا بنفسه اعتراف بالتدخلات القانونية، وإذا كانت مؤسسة حكومية تباشر هذا العمل لأسباب، فعليها أن تحصل على الإذن من المؤسسات القضائية، ولا يحق لها أبدا أن تتدخل دون إذن قانوني.

وتضيف الفقرة الثانية من المادة 18 في حقوق الإنسان الإسلامي:

ب- لكل إنسان حق الحرية في حياته الذاتية (مسكنه، أسرته، ماله، وعلاقاته)، وإن التجسس عليه، ومراقبته، والنيل من شخصيته، لا يجوز، وله حق الحماية فيما وقع له شيء من التدخل الإجباري في هذه الشؤون.

أثناء الحرب الباردة

أثناء الحرب الباردة كانت أمريكا تستغل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كحربة قوية في مواجهة الصين وروسيا وأقمارها الاصطناعية، وكانت تنتقد هذه الدول بحجة القيود المفروضة على أتباعها وخصوصا في مجال العلاقات. عام 1977م، وفي المجمع الدولي للحقوقيين، في مدينة “ستوكهولم”، بمملكة السويد، أكّدت أمريكا مرة أخرى على احترام الكرامة الإنسانية، وصرحت بأن تكون لأي إنسان حق الحماية القانونية تجاه التدخلات والهجمات التالية:

  • أي تدخل في الحياة الذاتية أو حياة الأسرة أو الداخلية.
  • أي هجوم على سلامة الجسم أو الروح أو على الحرية الأخلاقية أو المعنوية.
  • أي هجوم على شخصيته وشهرته.
  • أي تأويل مضر وسيّء لأقواله وأعماله.
  • الكشف غير المناسب لأمور مقلقة، من حياته الذاتية.
  • استغلال اسمه، وهويته وصورته.
  • أي نشاط بهدف التجسس عليه.
  • ترصده، ومراقبته، والتضييق عليه.
  • كشف معلومات قدّمها أو حصل عليها، خلافا لقاعدة حفظ الأسرار في مجال العمل أو المهنة.

نقض المواثيق الدولية

إن المواثيق الدولية كثيرا ما تبين الأُطُر الأخلاقية للعمل، وتبقى ضمانها العملي في حوزة الدول. أمريكا تستطيع أن تضع ضغوطا وقيودا اقتصادية على الدول الأخرى بسبب نقض هذه المواثيق، ولكن الدول الأخرى لا تستطيع أن تضع على أمريكا الضغط المماثل. وعلى سبيل المثال، بعد كشف تنصت أمريكا لهاتف رئيسة وزراء ألمانيا، أبدت الأخيرة بعدم رضا ومن ثم قبلت مجبرة، بتوضيحات أمريكا غير الموجهة بهذا الخصوص.

التنصت في أفغانستان

كشف “سنودن” الكاشف لأسرار “سي آي آيه”، أن أفغانستان دولة يتم التنصت على هواتف جميع أتباعها. وبناءً على ذلك يمكن القول إن حقوق أتباع أفغانستان ضُيعت أكثر من غيرهم، والحال أن المادة 37 من الدستور الأفغاني تقول:

إن حرية وسرية مراسلات الأشخاص ومخابراتهم، سواء أكانت مكتوبة أو بالهاتف، أو التلغراف، أو أية وسيلة أخرى، مصؤنة من الكشف.

لا يحق للحكومة تفتيش مراسلات الأفراد ومخابراتهم، إلا على أساس القانون.

نفهم من هذه المادة، أنه لو كانت هناك ضرورة لمراقبة هواتف الأفراد، فإن المؤسسات المعنية فقط، وبإذن مسبق من مؤسسات القضاء، يمكنها أن تفعل ذلك، وليس الأفراد أو المؤسسات غير الحكومية. وإذا مارست أية دولة أجنبية هذا العمل، فهو يعني هتك الدستور ونقض السيادة الوطنية لأفغانستان.

النهاية