Category Archives: المنطقة‌ والعالم

دونالد ترامب: آراؤه وسياساته المحتملة

 

فاز المرشح الجمهوري دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية وهزم منافسته هيلاري كلينتون التي كان من المتوقع فوزها، وبهذا أصبح ترامب الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية.

قبل الانتخابات ومن أجل تصريحاته – خصوصاً تصريحاته السابقة حول المرأة – كان ترامب متأخرا عن هيلاري كلينتون في عدة اقتراعات؛ ومع ذلك انتصر ترامب في الانتخابات وأدهش أمريكا والعالم.

أدى فوز ترامب إلى هبوط في الأسهم التجارية المختلفة وأُقيمت مظاهرات ضده داخل الولايات المتحدة الأمريكية.

ما هي أسباب خسارة هيلاري كلينتون؟ ما هي آراء الرئيس المنتخب الجديد؟ وتحديداً ما هي الخطوات التي سيتخذها حيال أفغانستان والمنطقة؟ أسئلة تم تحليلها في هذا المقال.

لم انتصر ترامب؟

الأسباب المهمة وراء إخفاق هيلاري كلينتون هي كالتالي:

أولاً؛ المصوتون البيض: يشكل الموطنون ذوو البشرة البيضاء نسبة 62% من مواطني أمريكا. صوّت 58% منهم لصالح دونالد ترامب وصوّت 37% من الأمريكيين البيض لهيلاري كلينتون. صوّت 63% من الذكور البيض لصالح ترامب بينما صوّت 31% منهم لهيلاري كلينتون. في الوقت ذاته صوّتت 53% من النساء البيض لصالح ترامب وصوتت 43% منهن لكلينتون. [1]

ثانياً: المصوتون السود والأمريكيون اللاتينيون: يُشكل السود نحو 12% من سكان أمريكا وتبلغ نسبة الأمريكيين الأسبانيين واللاتينيين 17% من مجموع السكان. رغم أن معظم هاتين العرقيتين صوّتوا لصالح كلينتون إلا أن الأصوات التي حازت عليها كلنتون أقل من الأصوات التي حاز عليها باراك أوباما في الانتخابات السابقة. صوّت 88% من السود لهيلاري كلينتون بينما صوّت 93% منهم لأوباما في الانتخابات السابقة. 65% من الأمريكيين اللاتينيين صوتوا لصالح كلينتون في حين أن 71% منهم صوتوا لصالح أوباما. [2]

ثالثاً: الأفكار الوطنية: في الوقت الراهن تتحول بوصلة توجهات العالم وخصوصاً الغرب من العولمة إلى الأفكار الوطنية. على سبيل المثال: انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (والذي حصل إلى حدٍ كبير بسبب جهود بوريس جونسون وزير الخارجية البريطاني الحالي والمشهور بأفكاره الوطنية القومية)، الأفكار المضادة للهجرة في أوروبا وشعبية بوتين المتزايدة في روسيا، كل هذه العوامل أثرت في الولايات المتحدة الأمريكية. بالإضافة لذلك هناك قضايا أخرى في أمريكا ساهمت في بروز مثل هذه الآراء الوطنية لدى ذوي البشرة البيضاء بشكل عام.

رابعاً؛ التحقق من بريد هيلاري كلينتون من قِبل مكتب التحقيقات الفيدرالي: خلال عملها كوزيرة للخارجية الأمريكية، استخدمت كلينتون بريدها الشخصي في أمور حكومية. تم التحقق في الموضوع مرةً من قِبل مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI؛ ولكن خلال الانتخابات أُثار القضية مرة أخرى رئيسُ مكتب التحقيقات مما كان له أثره على أفكار المصوتين.

 

آراء ترامب الساخنة

على الرغم من أن ترامب لاعب جديد في ميدان السياسة وعمل مسبقا في المجالات الاقتصادية ويصعب توقع آرائه وأفكاره؛ مع ذلك سنلقي نظرة على آرائه وتصريحاته التي أدلى بها خلال حملاته الانتخابية والسنوات الأخيرة حيال قضايا عديدة.

المهاجرين: تعرض ترامب لموجة انتقادات واسعة من أجل تصريحاته حيال المهاجرين في أمريكا. صرح ترامب أنه سيُخرج 11 مليون مهاجر غير مسجل من المهاجرين الموجودين في الولايات المتحدة الأمريكية؛ وسيبني جداراً حدودياً بطول 1000 ميل بين أمريكا والمكسيك (في حين أنه تم هدم جدار برلين قبل عقدين ونصف)، كما ذكر أنه سيوقف استقبال المهاجرين السوريين وسيطرد لاجئيهم الموجودين وسيوقف بشكل مؤقت هجرة اللاجئين من الدول التي لها سابقةٌ في تصدير “الإرهاب”.

داعش في العراق وسوريا: في البداية اقترح ترامب أن تكون أمريكا محايدة حيال الحرب بين بشار الأسد و داعش، ومن ثم تتعامل مع الجهة التي ستبقى بعد الحرب. ولكن بعد أحداث باريس الدامية، ذكر أنه سيتخذ خطوات صارمة ضد داعش حتى لا يتمكن التنظيم من التجنيد والاستقطاب عبر الإنترنت. خلال حملته الانتخابية صرح قائلاً: «ليس لدينا خيار سوى القضاء على داعش»؛ وأيّد ترامب كذلك إرسال الجنود الأمريكيين إلى الدول الأخرى من أجل القضاء على داعش.

السعودية و إيران: تصريحات ترامب حيال السعودية وإيران أيضا مخالفة لسياسات أوباما. طالب ترامب بمضاعفة العقوبات الاقتصادية على إيران لأن إيران حسب اعتقاده كانت أكبر حامية “للإرهاب”، وكان هذا هو السبب الذي جعل وزير الخارجية الإيراني يطالب ترامب في تهنئته له على فوزه في الانتخابات بأن يبقى ملتزما بالنظم الدولية والاتفاقيات الموقّعة. هدد ترامب أيضا بأنه سيوقف شراء نفط السعودية في حال عدم مشاركة القوات السعودية في القضاء على داعش.

الصين و روسيا: تكلم ترامب كثيرا ضد الصين (وفيما بعد ضد روسيا) وكان ذلك في الغالب حيال العلاقات التجارية بين أمريكا والصين. انتقد ترامب الصين من أجل تخفيض عملتها “الين”؛ لأنه حسب نظرة الأمريكيين تكبدت أمريكا خسائر في العلاقات التجارية الثنائية بين الصين وأمريكا من أجل نزول قيمة الين. اتهم الصينَ أيضا بسرقة أعمال من الملكية الفكرية التابعة لأمريكا، ووعد بإثبات هذ الاتهام. صرح ترامب بأنه سيوجه إرشادات لمندوبي التجارة الأمريكية ومنظمة التجارة العالمية لرفع قضايا ضد الصين. على الصعيد الآخر فإن الولايات المتحدة الأمريكية اقترضت مبالغ ضخمة من الصين وصرح ترامب بأنه سيقلل هذه القروض والقروض الوطنية الأخرى وسيزيد من تواجد الجيش الأمريكي في (آسيا – المحيط الهادي)، لتصبح لأمريكا اليد العليا في المعاملات ضد الصين.

يريد ترامب تشكيل تحالف جديد مع روسيا من أجل “تقليل الخلافات” مع روسيا على أرض سوريا. بعد فوز ترامب في الانتخابات، هنّأه بوتين وأبدى أمله في أن تعمل أمريكا و روسيا معاً لأجل تطوير العلاقات وليكون لجهودهم المشتركة عواقب إيجابية لإزالة التهديدات الأمنية حول العالم.

ترامب و أفغانستان

منذ 2004، كانت هذه المرة الأولى التي يتم فيها إغفال أفغانستان خلال الحملات الانتخابية. هناك أسباب عديدة لذلك، أولها أن القضايا مثل داعش، وسوريا، واللاجئين، وروسيا، والصين، والإرهاب، والهجمات “الإرهابية” التي حصلت داخل أمريكا والوضع الأمريكي الداخلي حظيت باهتمام أكبر من قضية أفغانستان. ثانياً؛ أن قضية أفغانستان بعد 15 سنة ما زالت كما كانت في 2001. بما أن الجمهوريين هم من بدؤوا هذه الحرب ولم ينجح الديمقراطيين في حلها في فترتين متتاليتين، لم يُثر أيٌ من الجانبين هذه القضية في الوقت الراهن.

على أية حال، كان لترامب تصريحات عديدة حيال أفغانستان منذ 2012. على سبيل المثال، ذكر ترامب في عام 2012 أنه سيخرج جميع القوات الأمريكية من أفغانستان. وفي عام 2013 عندما تم قتل عدد من الجنود الأمريكيين من قِبل بعض الجنود الأفغان، قال ترامب رداً على الحدث: «لننسحب من أفغانستان؛ إن جنودنا يُقتلون من قِبل أولائك الأفغان الذين درّبناهم نحن. لقد أنفقنا ملايين الدولارات هناك، هذا غير مقبول.» [3]

فيما بعد، غير ترامب رأيه وطالب بإبقاء الجنود الأمريكيين الذين يبلغ عددهم 9800 جندي في أفغانستان؛ لأن التواجد الأمريكي في أفغانستان مهم من أجل باكستان. علاوةً على ما ذُكر، صرح ترامب في 2015 بأن الحرب الأمريكية الحالية في أفغانستان لم تكن خطوة خاطئة.

سياسة أمريكا الخارجية في المستقبل

بشكل عام في كل الدول تختلف السياسات خلال فترة الحكم عن المواقف التي يتم إعلانها خلال الحملات الانتخابية. الكثير من المرشحين يبرمون وعودا كبيرة خلال حملاتهم من أجل جمع أكبر عدد من الأصوات، ولكن لا يوفون بوعودهم إلى حدٍ كبير. لذا من الممكن أن تكون تصريحات ترامب الساخنة هذه من هذا الصنف. في الوقت ذاته، لن يتمكن ترامب الذي يفتقد الخبرة السياسية والذي دخل حديثا في النظام الرئاسي الأمريكي المتصف بالبيروقراطية من تطبيق وعوده الثورية التي صرح بها خلال حملاته الانتخابية.

في خطابه بعد الفوز، تكلم ترامب عن السياسة الخارجية باختصار قائلاً: «نحن سنسير مع جميع الشعوب التي ستسير معنا. سيكون لدينا علاقات جيدة. نريد أرضية مشتركة لا عداوةً، نريد تعاوناً لا صراعاً.» [4]

مع ذلك، ستكون سياسة دونالد ترامب حيال روسيا والصين والعالم الإسلامي مختلفة عن سياسات سابقيه، وستكون إلى حدٍ ما قريبةً مما وعد به خلال حملاته الانتخابية.

في إقليمنا، سيكوّن ترامب علاقات أمريكية هندية أفضل مقارنةً بالعلاقات مع باكستان. هناك هنود مقيمون في أمريكا نشطو لصالح ترشيح ترامب وشارك هو مرة في هذه الحملات. إذا لم تتخذ أمريكا موقفا أشد حزما تجاه باكستان فإنها على الأقل لن تلطّف موقفها الحالي. وهذا هو السبب الذي من أجله صرح السفير الأمريكي في باكستان بأن سياسة أمريكا تجاه باكستان لن تتغير في حال حيازة ترامب للسلطة.

من الممكن أن تتأثر أفغانستان بسياسات أمريكا المستقبلية في ميدانيْن:

أولاً؛ الجنود الأمريكيين في أفغانستان: تصريحات ترامب التي صرح بها في الأشهر القليلة الماضية تُظهر أنه لن يسحب القوات الأمريكية من أفغانستان؛ لأن ذلك ليس من مصالح الولايات المتحدة الأمريكية. سيُبقي على 9800 جندي أمريكي في أفغانستان كما أيد هذه الخطة من قبل.

ثانيا؛ الدعم الاقتصادي الأمريكي لأفغانستان: الجانب الذي ستقلق الحكومة الأفغانية حوله أكثر هو الدعم الاقتصادي الأمريكي. من الممكن أن تشترط أمريكا شروطاً أصعب لتقديم مساعداتها في المستقبل.

النهاية.

[1] Jon Henley, White and wealthy voters gave victory to Donald Trump, exit polls show, see it online, https://www.theguardian.com/us-news/2016/nov/09/white-voters-victory-donald-trump-exit-polls

[2] ibid

[3] Jafar Haand, What Trump has said about Afghanistan, VOA, see it online: http://www.pashtovoa.com/a/donald-trump-remarks-on-afghanistan/3282242.html

[4] CNN, Here’s the full text of Donald Trump’s victory speech, see it online: http://edition.cnn.com/2016/11/09/politics/donald-trump-victory-speech/index.html

هل يمر طريق السلام الأفغاني بكشمير؟

في لقاء عُقد الأسبوع الماضي بمركز الدراسات الموسوم بالمجلس الأطلنطي الأمريكي America Atlantic Council  في واشنطن صرح مشاهد حسين المبعوث الخاص لرئيس الوزراء الباكستاني حيال كشمير وعضو حزب مسلم ليك (حزب رئيس الوزراء نواز شريف) بمجلس الشيوخ ورئيس لجنة الدفاع بمجلس الشيوخ الباكستاني أنه “إذا لم تُحل قضية كشمير، فلن يستقر السلام بأفغانستان”.

أثار تصريح مشاهد حسين ردات فعل داخل وخارج أفغانستان، حيث أدانت مقولتَه وزارة الخارجية الأفغانية، ومجلس الأمن الوطني الأفغاني والمجلس الأعلى للسلام ومجلس النواب والبيت الأبيض وآخرون، لأن قضية أفغانستان وقضية كشمير حسب رؤيتهم قضيتان منفصلتان وأن مثل هذه التصريحات لا تمهد إلا لحروب بالنيابة في أفغانستان.

ما هي علاقة الأفغان بكشمير؟ هل قضايا أفغانستان وكشمير قضية واحدة أم قضايا منفصلة؟ هل يمر طريق السلام الأفغاني عبر كشمير؟ أسئلة سنحاول الإجابة عليها في هذا المقال.

الأفغان وكشمير

للأفغان علاقات قديمة مع كشمير، وقد حكم الأفغان كشميرَ بين أعوام 1752م و 1819م. في تلك الحقبة وسّع الحكام الأفغان رقعة تجارة الشالات الكشميرية وسوّقوا لها في الأسواق العالمية. برز بين الحكام الأفغانيين بكشمير جوان شير خان؛ الذي بنى قصر شير كري (والذي ما زال تحت استخدام قادة كشمير -الداخلة تحت نفوذ الهند) وجسر (أميران كدل) وبعض المنشآت الأخرى.

يُضاف إلى ذلك أن آلاف الأفغان والبشتون يقطنون بكشمير الهندية وكشمير الباكستانية. ومن الأمثلة في هذا الصدد أنه في يوليو 1954 منح رئيس الوزراء بكشمير الهندية الجنسيةَ لأكثر من مئة ألف أفغاني لم يتجنسوا قبلها هناك[1].

في الوقت ذاته هناك مهاجرون كشميريون قدموا من كشمير إلى أفغانستان والآن عندهم جنسية أفغانية. وقد أسس هؤلاء الكشميريون مجتمعاتهم بأفغانستان وشغلوا مناصب حكومية عليا في السابق. على سبيل المثال؛ قدِمَت عائلة ببرك كارمل (رئيس أفغاني سابق) من كشمير وأقامت بمنطقة بكرام في ولاية كابل.

 

خلفية قضية كشمير

ترجع قضية كشمير إلى الفترة التي حصلت فيها شبه القارة الهندية على استقلالها. حسب خطة ماونباتن المؤرخة في 3/يونيو انقسمت المستعمرة الهندية إلى قسمين؛ وفي ذلك الوقت كانت كشمير متشكلة من 562 أمارة. حسب الخطة کانت هذه الأمارات ستنضم لباكستان أو للهند. أكثر من 70% من سكان كشمير كانوا مسلمين إلا أن زعيم كشمير كان من طائفة السيخ، ومع محاولته البقاء مستقلاً إلا أنه خوفاً من هجوم باكستان طلب دعماَ عسكرياً من الهند، وهكذا وقعت الحرب الأولى بين القوات الباكستانية والهندية من أجل الاستيلاء على كشمير في 1947-1948. سيطرت الهند على كشمير حتى منطقة سينجر، وبقيت منطقة كشمير الحرة – كما يسميها – بيد باكستان.

فيما بعد وقعت الحرب الهندية الباكستانية الثانية من أجل كشمير عام 1965 عندما سمح الرئيس الباكستاني الجنرال أيوب خان بعمليات جبل طارق في كشمير عملاً بإرشادات ذو الفقار علي بوتو. قدّرت باكستان أن مسلمي كشمير الداخلة تحت إدارة الهند سيثورون بعد عمليات جبل طارق ونتيجةً لذلك ستصبح كشمير مستقلة أو ستصبح جزءاً من باكستان؛ إلا أن قوات الهند في مقابل عمليات جبل طارق هاجمت على بنجاب – الولاية الاستراتيجية بباكستان – ووصلوا إلى أبواب مدينة لاهور في مدة وجيزة. وتحت تأثير ضغوط دولية تم إيقاف هذه الحرب ووقّعت كلتا الدولتين اتفاقية طاشكند.

بعد الحرب الثانية، لم تُثَر قضية كشمير إلا في المحادثات الدبلوماسية؛ ولكن عندما انتصر المجاهدون الأفغان في الحرب على الاتحاد الشيوعي واضطرت القوات الشيوعية لمغادرة أفغانستان؛ ظهرت الحرب مجددا في كشمير مُلهَمةً بما حدثَ في أفغانستان. خلال هذه الحرب لعب ذكاء الجانب الباكستاني دوراً مهما بتدريبه وتجهيزه ودعمه لجماعة (جيش طيبة) و (جيش محمد) وبعض الجماعات الأخرى ومازال ذلك مستمراً؛ وبالتالي بدأت الحرب مرةً أخرى في كشمير عام 1990.

من جانبٍ آخر، على الرغم من أن المعاناة الطويلة بأفغانستان بدأت منذ (انقلاب ثور) الشيوعي واجتياح القوات الشيوعية لأفغانستان؛ إلا أن الأزمة الحالية بالبلد مرتبطة بتواجد القوات الأمريكية في أفغانستان.

 

علاقات كابل- دلهي ومخاوف باكستان

مع أنه منذ فترة طويلة وتحديداً بعد 2001، يربط الخبراء والمحللون الدوليون في أفغانستان وباكستان وبعض الدول الأخرى الاستقرار والأمن والسلام في المنطقة بحل قضية حد ديورند بين أفغانستان و باكستان، وبحل قضية كشمير بين باكستان والهند؛ إلا أن تصريح مشاهد حسين يُعتبر المرة الأولى التي تربط فيها باكستان رسمياً بين السلام في أفغانستان وحل قضية كشمير.

في لقاء له بمركز دراسات (المجلس الأطلنطي) بواشنطن صرح مشاهد حسين أن “طريق السلام الأفغاني يمر من كشمير، بمعنى أنك عندما تتحدث عن السلام لا تستطيع تجزئة السلام، لا تستطيع فصلَ جزءٍ منه، نعم بإمكانك أن تحصل على السلام في كابل وتترك كشمير تحترق. هذا لن يحصل”[2]

بشكلٍ عام تلمح هذه التصريحات إلى حرب باكستانية – هندية تقع بالوكالة في أفغانستان، وبجانب التصريحات الأخيرة للحكومة الأفغانية ضد باكستان؛ تنبع هذه التصريحات من العلاقات القريبة الهندية- الأفغانية. في السياسة الدولية يُعتبر هذان الموضوعان موضوعين منفصلين. قضية أفغانستان منفصلة عن قضية كشمير. الحرب في أفغانستان بسبب التواجد الأمريكي، بينما ترجع أزمة كشمير إلى استقلال الهند وباكستان.

 

لماذا تربط باكستان قضية أفغانستان بكشمير؟

السبب في تصريحات باكستان التي تربط قضية أفغانستان بكشمير يرجع إلى العاملين التاليين:

اولاً؛ كسر العزلة المتزايدة؛ انعزال باكستان في القضايا الدولية والإقليمية خلال الأشهر القليلة الماضية جعل باكستان تسعى إلى محاولة كسر هذا العَزل. في هذا الصدد أرسل رئيس مجلس الوزراء الباكستاني نواز شريف مندوبيه الخاصين (22 مندوبا) إلى دول عديدة حول العالم كما أرسل مندوبه الخاص حيال كشمير إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

ثانياً؛ إحياء قضية كشمير وإثارتها على المستوى الدولي؛ بعد اغتيال قائد حزب المجاهدين برهان واني، ساءت الحالة في كشمير؛ وعقب ذلك حظرت الهندُ التجوالَ في كشمير واعتقلت قادة جماعة الحرية ولقي أكثر من 70 كشميري مصرعهم وجُرح أكثر من 1000 آخرين في عدة مظاهرات. نتيجة لهذه الحالة في كشمير ازدادت التوترات في العلاقات الهندية- الباكستانية، وكردة فعل لهذه الحالة في كشمير تم الهجوم على مقر للقوات الهندية المسلحة بكشمير الداخلة تحت سيطرة الهند وقُتل 18 جندي هندي. استغلالاً للفرصة وسمَ كبار المسؤولين الباكستانيين برهان واني بـ (الشهيد) وعقب ذلك في الجلسة العامة للأمم المتحدة أشار رئيس الوزراء الباكستاني إلى برهان واني وحاول إحياء قضية كشمير وإثارتها على مستوى دولي.

على الرغم من أن حقوق الإنسان انتُهكت إلى حدٍ كبير في كشمير حتى أن الصحافة الهندية نشرت تقارير عن ذلك في بعض الأوقات؛ إلا أنه نظراً لدعم باكستان لجيش محمد وجيش طيبة وبعض الجماعات المتطرفة الأخرى فإن المجتمع الدولي لا يعتدُّ بتصريحات الجانب الباكستاني حيال كشمير.

من ناحيةٍ أخرى، أكملت الحرب عامها الخامس عشر في أفغانستان ومع ذلك لم يستقر السلام والأمن في البلد. أضِف إلى ذلك أن محادثات السلام الرباعية حيال السلام الأفغاني لم يأت بنتائج ملحوظة. تصريحات باكستان صدرت في وقتٍ تعب فيه المجتمع الدولي من الحرب الأفغانية؛ لذا تريد باكستان بإلقاءِ مثل هذه التصريحات إعطاءَ قيمة لقضية كشمير وربطها بقضية أفغانستان.

النهاية

[1]  البشتونيون في كشمير، 20/يوليو/1954. راجع الرابط التالي:

http://www.thehindu.com/2004/07/20/stories/2004072001220900.htm>

[2]  للاطلاع على محادثة مشاهد حسين:
http://www.atlanticcouncil.org/events/upcoming-events/detail/dispute-in-focus-pakistans-perspective-on-kashmir

جائزة الدكتور مهاتير محمد السنوية لأحسن بحث علمي

أعلن منتدى كوالالمبور “جائزة د. محمد مهاتير” السنوية لأحسن بحث في الموضوع الموسوم: “الحكم الراشد: رؤية إسلامية”.

سيتم استقبال الترشيحات ابتداء من 15 أوت 2016 إلى غاية 01 أكتوبر 2016 وفق الشروط والآليات المحددة.

تتكون الجائزة من ثلاث جوائز: جائزة أساسية لكبار الباحثين من الرجال والنساء، وجائزة خاصة بالشباب وأخرى بالنساء المبتدئات في مجال البحث العلمي.

يقوم على تحكيم البحوث لجنة علمية من أهل الاختصاص. ويتم الإعلان عن الفائزين في 01 نوفمبر 2016 وتقدم الجوائز ومختلف التكريمات في المؤتمر السنوي الثالث للمنتدى بالخرطوم – السودان أيام 16-17-18 نوفمبر 2016.

يطيب لنا أن نضع بين ايديكم رابط التعريف بجائزة الدكتور مهاتير محمد السنوية لمنتدى كوالالمبور:

تفاصيل الجائزة:اضغط هنا

استمارة تقديم البحث:اضغط هنا

الموقع الرسمي للمنتدى: www.kl-forum.org

الصفحة الرسمية “فايسبوك” https://www.facebook.com/KL.Summit

انتهی

العلاقات الأمريكية-الهندية المتقاربة وتأثيراتها على المنطقة

 

وقع وزير الدفاع الأمريكي ونظيره الهندي الأسبوع الماضي اتفاقية مذكرة تبادل اللوجيستيات (LEMOA). زامن ذلك زيارة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري للهند حيث التقى ببعض كبار المسؤولين.

توقيع المعاهدة اللوجستية-العسكرية وزيارة وزير الخارجية الأمريكي للهند حصلا في وقت ارتفعت فيه نسبة التوتر في العلاقات الهندية-الصينية والعلاقات الهندية-الباكستانية.

التحولات التي طرأت في المنطقة عام 2016، مصير العلاقات الأمريكية-الهندية وتأثيرات المعاهدة الموقعة حديثا بين الولايات المتحدة الأمريكية والهند على المنطقة مواضيع تم تحليلها في هذا المقال.

 

التحولات الجيوسياسية الأخيرة في المنطقة

منذ 2015 وحتى الآن حدثت تحولات بارزة في المنطقة والدول المجاورة لأفغانستان؛ فقد وصلت إيران إلى توافق مع دول مجموعة 5+1 حول برنامجها النووي، وبناءً على ذلك تُوقِف إيران برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عنها. أثمر هذا التوافق تأثيرات إيجابية على الاقتصاد الإيراني، حيث لم يتوقف ذلك على تمكين وصول الدولة إلى ممتلكاتها المجمدة المقدرة بـ 115دولار أمريكي؛ وإنما سهّل أيضاً هذا التوافق الطريق أمام الدول الأخرى لتوسع دائرة التبادل التجاري والاقتصادي مع إيران والاستثمار فيها.

في الوقت ذاته زار الرئيس الصيني شي جين بينغ باكستان وافتتح المنطقة الاقتصادية الصينية-الباكستانية. ستستثمر الصين في منطقتها الاقتصادية مبلغ 46 مليار دولار في مجالات النقل والعبور والطاقة. وبما أن هذه المنطقة الاقتصادية تمر بأجزاء من كشمير فإن الهند تعارضها.

بعد رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، وقعت أفغانستان وإيران والهند اتفاقية (جابهار) للعبور والتجارة مما يوفر لأفغانستان والهند مساراً بديلاً عن مسار باكستان وبالتالي تفقد باكستان وسيلة الضغط التي كانت تملكها في هذا الصدد. أضف إلى ذلك أن الهند ستتصل بآسيا الوسطى عبر أفغانستان.

في أبريل 2016 أفشلت الصين محاولة الهند في إبراز مسعود أظهر قائد جماعة جيش محمد كإرهابي وإلحاقة بالقائمة السوداء للأمم المتحدة. من جانبٍ آخر، في يوليو 2016 رغم محاولاتها العديدة لم تفلح الهند في الانضمام إلى مجموعة مورّدي المواد النووية NSG. اتهمت الهند الصين بإيجاد العوائق في طريق انضمامها إلى المجموعة، إلا أن الصين أكدت أنه حسب نُظم مجموعة موردي المواد النووية فإن أي دولة لم توقع اتفاقية معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية NTP لا تستطيع الانضمام للمجموعة ولذا على الهند أن توقع المعاهدة. نظراً لهذين السببين أبدت الهند فيما بعد معارضتها لمشروعي الصين (حزام الطريق الاقتصادي الحريري “one belt, one road”، والمنطقة الاقتصادية الصينية-الباكستانية)

على صعيدٍ آخر، فإن العلاقات الهندية-الباكستانية والعلاقات الهندية-الصينية منذ ثلاثة أشهر في حالة تدهور. قُتل قائد حزب المجاهدين برهان واني بكشمير الهندية في يوليو 2016 مما أدى إلى تدهورِ الحالة الأمنية بكشمير وكذلك تصعيدِ التوتر في علاقات نيو دلهي وإسلام آباد (بعد مقتل برهان واني تم فرض حظر التجوال بكشمير وحُبس جميع قائدي مؤتمر الحرية لجميع الأحزاب الكشميرية  APHCوقُتل نحو سبعون شخص وجُرح الآلاف بعدة مظاهرات). عقب مقتل (واني) صرح رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف أنه صُدم بالحادثة ووسمَ واني بـ (الشهيد). علاوة على ذلك أثارت باكستان موضوع قتل برهان واني في الأمم المتحدة. في مقابل تصريحات الجانب الباكستاني اتهمت وزيرةُ الخارجية الهنديةُ باكستانَ بتمجيد الإرهابيين. يُضاف إلى ذلك أن رئيس مجلس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في كلمة له بحفل استقلال الهند أثار موضوع بلوشستان وانتقد باكستان انتقاداً لاذعاً.

 

العلاقات الأمريكية الهندية المتقاربة

أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن أطروحة (إعادة التوازن في آسيا) عام 2014 والتي يعدها بعض الصينيون محاصرةً للصين؛ لأن هذه الأطروحة تعني في نظرهم نهوض الهند واليابان وبعض الدول الأخرى مقابل الصين. بناءً على الاتفاقية الأخيرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والهند فإن العلاقات في المجالات التجارية والعسكرية ومجالات أخرى ستتقوى أكثر.

من جانبٍ آخر، بعد وصول ناريندرا مودي إلى السلطة في الهند فإن العلاقات الأمريكية الهندية دخلت مرحلة جديدة. منذ 2014 سافر مودي إلى الولايات المتحدة الأمريكية أربع مرات (مرتين للحضور في مؤتمرين عالميين، وزيارتان رسميتان للولايات المتحدة الأمريكية). في يناير 2016 حضر أوباما حفل اليوم الجمهوري بالهند بدعوة من ناريندرا مودي، لذا يُعتبر أوباما أول رئيس أمريكي يزور الهند مرتين ويحضر مراسم حفل اليوم الجمهوري خلال دورته المتشكلة من ثماني سنوات.

شهد الصعيد السياسي بالمنطقة خطوةً أخرى الأسبوع الماضي وقام وزير الدفاع الهندي مانوهار باريكار بزيارة رسمية للولايات المتحدة الأمريكية وقابل نظيره الأمريكي آشتون كارتر. منذ بداية 2016 كانت هذه زيارته الثانية للولايات المتحدة ولقاؤه السادس بوزير الدفاع الأمريكي. في زيارته الأخيرة تم توقيع الاتفاقية المثيرة للجدل (اتفاقية مذكرة تبادل اللوجيستيات LEOMA) بين الولايات المتحدة الأمريكية والهند والتي عارضها الكثيرون من داخل الهند. حسب الاتفاقية فبإمكان كلا الدولتين أن تستخدم جوّ وبرّ وبحر الدولة الأخرى عند الحاجة. ومن أجل تقليل صدى معارضي الاتفاقية في الهند ومخاوف الدول بالمنطقة أكّد وزير الدفاع الأمريكي في مؤتمر صحفي مشترك أن ” الاتفاقية لا تعني أن تمتلك دولةٌ قواعد عسكرية في أرض الدولة الأخرى “.

من جانبٍ آخر قام وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بزيارته الرابعة للهند وقابل رئيس مجلس الوزراء الهندي ومستشار الأمن القومي ووزير الخارجية الهندي، ونوقشت أربع مواضيع مهمة:

أولاً؛ العلاقات الثنائية الأمريكية-الهندية ستتقوّى. حسب وزير الخارجية الأمريكي فإن مقدار التجارة بين الدولتين يجب أن يصل إلى 500 مليار دولار وستسعى الولايات المتحدة الأمريكية في إلحاق الهند بمجموعة موردي المواد النووية NSG.

ثانياً؛ مرة أخرى رفضت الولايات المتحدة الأمريكية التمييز في التعامل مع الإرهاب حيث قال جون كيري: ” الإرهابُ إرهابٌ ” (في إشارةٍ إلى باكستان أنّ عليها اتخاذ خطوات صارمة تجاه جماعة لشكر طيبة، وجيش محمد وحركة طالبان الأفغانية).

ثالثاً؛ التأكيد على حرية التجارة والحركة بالساحل الجنوبي، وهذا كردة فعل لأحداث ساحل الصين الجنوبي.

رابعاً: استئناف المحادثات الثلاثية بين (أفغانستان-الولايات المتحدة الأمريكية-الهند) بأفغانستان.

 

أفغانستان ومستقبل المنطقة

الأحداث الأخيرة في الأسبوع الماضي كانت محل متابعة دقيقة في الصين وباكستان لأن تصريحات جون كيري خلال زيارته للهند كانت إلى حدٍ كبير تُشير إلى باكستان. على الصعيد الآخر فإن توقيع اتفاقية مذكرة تبادل اللوجستيات بين الولايات المتحدة والهند أثار قلق الصين، لأنه يتزامن مع تدهور العلاقات الأمريكية-الصينية حيال موضوع ساحل الصين الجنوبي.

توقيع الاتفاقية الدفاعية بين الولايات المتحدة والهند وسفر وزير الخارجية الأمريكي للهند حصلا في وقت تسوء فيه علاقات نيو دلهي-إسلام آباد وعلاقات نيو دلهي-بكين. الأحداث في السنة الأخيرة تُظهر تقارباً سريع الخطى من الهند تُجاه الولايات المتحدة، وإذا استمر الوضع بهذا المنوال فستُلقي الهند لأول مرةٍ سياسيتها التقليدية إلى الوراء.

من جانبٍ آخر، فإن أفغانستان تحتاج إلى مساعدات ودعمٍ عسكري من الهند. لا تقدر أفغانستان أن تقطع أو تقلل علاقاتها مع الهند فقط من أجل مخاوف دولةٍ أخرى؛ ولكن في اللعبة الإقليمية الحالية إذا كان المراد من أحداث الأسبوع الماضي هو تحالف الولايات المتحدة الأمريكية والهند ضد الصين وباكستان فعلى أفغانستان أن تحتفظ بسياستها التقليدية ( الحياد ) وأن لا تشترك في الائتلافات.

انتهى

الحرب الباردة بين السعودية وإيران، وأثرها على أفغانستان والمنطقة

مع بدء عام 2016م، كان من المتوقع أن تتجه العلاقات بين إيران والعسودية نحو تحسن مقرانة مع 3 سنوات الماضية، وأن تصلا إلى توافق بشأن الأزمة السورية، لأنهما رغبتا في الحديث بشأن الأزمة السورية، لكن الأسبوع الأول من عام 2016م، قلّب كل تلك الآمال.

في 2 من يناير 2016م، أعدمت السلطات السعودية 47 شخصا بينهم أعضاء لتنظيم القاعدة، ومتطرفين من السنة، والعالم الشيعي نمر النمر، بتهم تتعلق بـ”الإرهاب”. وفي ردة فعل لذلك، تم حرق السفارة السعوية في إيران، وقطعت رياض علاقاتها مع إيران. وتبعت ذلك حلفاء السعودية بقطع علاقاتها مع إيران، وتوسع نطاق الأزمة.

وأثناء هذه الأزمة، ذهب عبدالله عبدالله الرئيس التنفيذي الأفغاني إلى إيران في زيارة لمدة ثلاثة أيام، ثم أصدرت الحكومة الأفغانية بيانا حول الأزمة، شمل على حيادية موقف كابول بشأن الأزمة.

فإلي أين تتجه الأزمة الجارية في الشرق الأوسط؟ ماذا سيكون أثرها على أفغانستان والمنطقة؟ وماذا سيكون أثر الزيارة الأخيرة للرئيس التنفيذي على العلاقات الثنائية؟

الحرب الباردة في الشرق الأوسط

في الأعوام الأخيرة من الحرب الباردة عندما حدثت في إيران ثورة ضد “رضاه شاه” الملك الموالي لأمريكا، وُلدت في المنطقة منافسة مذهبية إلى جانب المنافسة الفكرية. ومن هناك دخلت إيران في حرب طويلة مع العراق.

غيّرت ثورة إيران الإسلامية ميزان القوى في المنطقة، وقسّمت المنطقة إلى قسمين، إيران مع حزب الله اللبناني وسوريا حافظ الأسد على جبهة، والسعودية مع حلفائها كمصر ودول الخليج ودول عربية أخرى على جبهة أخرى.

أيّدت السعودية أيام الحرب الباردة الموقف الأمريكي، واستغلت من تجارب أمريكا، وحاولت طرح نظرية تشبه “مبدأ ترومان”، في منافستها مع إيران، وذلك لوضع حصار عليها وإخضاعها. ومن هنا عززت السعودية علاقاتها مع باكستان والمجاهدين الأفغان الذين عوّل نجاح حركتهم كثيرا على مساعداتها.

لذلك أثرت تلك الحرب الباردة على الحرب الأهلية في أفغانستان، ثم ظهرت طالبان على الساحة الأفغانية، وخالفتها إيران ما أثار موافقة سعودية. وبذلك وصلت ترددات الحرب الباردة إلى أفغانستان وأثّرت على الأوضاع هنا كثيرا.

الشرق الأوسط بؤرة الأزمات

لو ننظر إلى القرن الماضي، نجد الشرق الأوسط بؤرة للأزمات. في بداية القرن سقطت الخلافة العثمانية، قامت مكانها حكومات جديدة، وفي الحرب العالمية الثانية أصبح الشرق الأوشط ميدان المعركة مثل الحرب العالمية الأولى.

في بدايات الحرب الباردة أعلنت إسرائيل دولة لها، وخاضت في 1948م، و1956م، و1973م، حروبا مع العرب. وفي حرب 1973م، رفع العرب سعر النفط، وحدث تضخم مالي في العالم، تُعرف حتى اليوم بأزمة 1973م، المالية. إلى جانب ذلك خلّق تعامل إسرائيل الشرس أزمات في المنطقة.

في نهاية الحرب الباردة انطلقت حرب الخليج، ثم وفي 2003م، هاجمت أمريكا على العراق بذريعة امتلاكها أسلحة كيمائية وبيلوجية لدمار شامل، ثم وفّرت بطريقة غير مباشرة أرضية لظهور داعش.

ثم وفي العقد الجاري انطلقت صفحة الربيع العربي، بدأت من تونس ثم اتسع في العالم العربي بسرعة، وأسقط الحكم الديكتاتوري في تونس، وليبيا، ومصر، ثم انطلقت حرب أهلية في ليبيا، وكان حكم ديمقراطي في مصر لمدة سنة وحدث فيها انقلاب عسكري ضده من قبل بعض العسكر وبدعم من بعض الدول الإقليمية.

وفي 2011م، حدثت في السعودية تحركات بعنوان الربيع العربي من قبل بعض الشيعة في المنطقة الجنوبية، كان من رموزها شيخ نمر النمر. اعتبرتها السعودية تدخلا إيرانيا، وخافت من الثورات العربية واعتبرتها تهديدا للعرش الملكي. ومن هنا لعبت دورا في إفشال حكومة مرسي في مصر.

مع أن العلاقات السعودية الإيرانية لم تكن جيدة منذ انطلاق الربيع العربي، لكنها لم تكن متدهورة كثيرا، مثل ما أصبحت في بداية 2016م.

لماذا تدهورت العلاقات السعودية الإيرانية؟

بشكل عام كانت العلاقات بين السعودية وإيران متدهورة منذ 1979م، شكّلت المنافسة الإقليمية العامل الأبرز لهذا التدهور، وهناك فرق شيعي سني لعب دورا في الأمر، وقد أيّد كل من الطرفين مخالف الطرف الآخر.

تدور الآن الخلافات بين إيران والسعودية على المنافاسات الإقليمية والقضية الشيعية السنية. وقد تعلقت مصالح إيران كثيرا بنظام بشار الأسد في سوريا وبالحوثيين في اليمن. من جهة أخرى تساعد السعودية مخالفي بشار الأسد بشكل واسع، وتنفذ هجوما على الحوثيين في اليمن كي لا تقع في حصار من قبل اليمن، وأن لا يصبح الطريق ممهدا للثورة في جنوب السعودية.

وقد تدهورت العلاقات بين السعودية وإيران أكثر بعد أحداث الحج الماضي، وانتقد المسؤولون الإيرانيون الجانب السعودي.

في 2 من يناير 2016م، أعدمت السعودية 47 شخصا من أعضاء القاعدة، في 12 منطقة مختلفة، فيهم قلة من الشيعة وفيهم العالم الشيعي الشهير نمر النمر. وفي نفس اليوم انطقت مظاهرات في إيران، تم فيها حرق القونصلية السعودية في مشهد، ثم تم حرق السفارة السعودية في طهران.

وفي ردة فعل لحرق سفارتها قطعت السعودية علاقاتها مع إيران، وطلبت من السفير الإيراني مغادرة البلد، وقطعت العلاقات التجارية والجوية مع إيران، وهي أول مرة تصل علاقات الطرفين هذا الحد من التدهور منذ الحرب العراقية الإيرانية.

موقف كابول في الأزمة السعودية الإيرانية

بعد أزمة اليمن، اتخذت أفغانستان موقفا محايدا في الأزمة بين إيران والسعودية، واعتبرت قطع العلاقات بينهما ضررا للعالم الإسلامي، لأن المصلحة الأفغانية تتطلب أن لا تنخرط في مثل هذه النزاعات.

ملايين اللاجئين الأفغان يعيشون في إيران، يتم نقل الأمتعة التجارية عبر ميناء شاه بهار، ويجب اتخاذ موقف سياسي حر من دون التعويل على أي بلد. وفي الصعيد نفسه، هناك آلاف من العمال الأفغان يعيشون في السعودية ولهم أعمال ويرسلون مبالغ كثيرة سنويا إلى أفغانستان.

أثر الأزمة الإيرانية السعودية على المنقطة وأفغانستان:

  • تقسيم الشرق الأوسط إلى جبهتين: مع أنه وقبل الأزمة السعودية الإيرانية، انقسم الشرق الأوسط إلى جبهتين إثر الأزمة في سوريا واليمن، وكان لكل جبهة دعم دولي. لكن بعد تدهور العلاقات بين السعودية وإيران، تعمقت هذه الخلافات أكثر، فقد قطعت السودان، وصوماليا علاقاتهما مع إيران دعما للسعودية، لكن الإمارت وبسبب العلاقات التجارية لم تقطع علاقاتها إلا أنها نزلت مستوى العلاقة.
  • ستطول أزمة سوريا أكثر: قبل الأزمة الأخيرة بين السعودية وإيران، اتفق الطرفان تقريبا على إجراء محادثات بشأن سوريا. وقد أيّد المخالفون المسلحون لبشار الأسد في السعودية حل الأزمة بالطريقة السياسية، لكن وبالنظر إلى العلاقات بين السعودية وإيران يبدو أن سوريا ستكون الضحية الأولى لهذه الأزمة. ومن هنا يريد مندوب سوريا في الأمم المتحدة أن يزور إيران والسعودية، كي لا تؤثر خلافاتهما على سوريا.
  • أثر الأزمة على سعر النفط: الشرق الأوسط مصدر كبير للنفط، وتنتج أكبر قدر من النفط يوميا. إيران والسعودية من الأعضاء المؤسسة لمنظمة “أوبيك”، فإن المنافسة بين الطرفين، ثم الوضع المتدهور في الشرق الأوسط سيؤثر كثيرا على أسعار النفط، وسيكون هذا التأثير على نوعين:
  • النوعية الأولى، ارتفاع سعر النفط: ستؤثر الأوضاع الحرجة في الشرق الأوسط على كمية العرض مما سيؤدي إلى رفع الأسعار. وفي الحرب الإسرائيلية العربية عام 1973م، ارتفعت أسعار النفط، وفي كل أزمة لم تأت في مظلة الخلافات السعودية الإيرانية كانت الأسعار ترتفع أيضا.
  • النوعية الثانية، انخفاض الأسعار: كلما تدهورت العلاقات بين السعودية وإيران، فإن السعودية، ولأن لديها كميات كبيرة من النفط تستغل ذلك كسلاح في المنافسة. فتقوم بزيادة العرض مما يؤدي إلى كثرة النفط وخفض سعرها، تريد السعودية عبر ذلك، أن تضرب إيران اقتصاديا.

فمنذ 2004م، هذه أول مرة ينزل سعر برميل واحد من البنزين إلى هذا الحد، وقد وصل الآن سعره إلى 34,65 دولار أمريكي[1].

  • احتدام المعركة الطائفية: في الدول التي يعيش فيها السنة والشيعة، تؤثر الخلافات السعودية الإيرانية عليها كثيرا.

النهاية

[1] See online: http://www.telegraph.co.uk/finance/oilprices/12084237/saudi-arabia-iran-tensions-brent-crude-oil-hits-11-year-low.html

الانتخابات التركية وفوز حزب العدالة والتنمية

كان فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية التركية في 1 من نوفمبر غير متوقع لكثير من المراقبين على المستوى العالمي. ففي الانتخابات التركية الماضية قبل خمسة أشهر لم يتمكن الحزب من حصد غالبية الأصوات  كي يؤهّله لتشكيل الحكومة منفردا، وكان عليه الائتلاف مع الأحزاب الأخرى لتشكيل الحكومة. لكن محاولات تشكيل الحكومة الائتلافية لم تجد نفعا، فاستقر الأمر بناءً على الدستور التركي على إجراء انتخابات مبكرة.

قبل هذه الانتخابات كانت الآراء ترمي وخاصة في الدول الغربية إلى أن الانتخابات القادمة لن تتغير نتائجها عن السابقة. وأن أي حزب لا يمكنه الفوز بغالبية الأصوات لينفرد بتشكيل الحكومة، مما سيُبقي تركيا في أزمة سياسية من أجل تشكيل الحكومة.

الأحزاب المشاركة في الانتخابات

54 مليون من الشعب التركي مؤهلون للتصويت وذلك لاختيار 550 نائبا للبرلمان التركي، وينص الدستور التركي بأن أي حزب لا يحصل على 10% من الأصوات لا يدخل البرلمان، وتُمنح كراسيه للحزب المتقدم. في الانتخابات التي جرت في 7 من يوليو 2015م، شاركت 16 حزبا سياسيا، وتجاوزت أربعة منها 10% من الأصوات وحصلت على كراسي في البرلمان.

أقوى حزب سياسي في الساحة السياسية هو حزب العدالة والتنمية، ويحكم تركيا منذ 2002م. استطاع الحزب بوعود تحسين الأوضاع الاقتصادية أن يملك زمام الأمور وهو حزب إسلامي. تمكن الحزب في إطار النظام التركي العلماني إذ يفصل بين الدين والدولة بأن يثبت لنفسه تواجدا رغم الأخطار الجثيمة. لقد نفّذ الحزب كل وعوده للشعب، وحوّل تركيا من بلد غير مستقر اقتصاديا وأمنيا إلى بلد مزدهر ومستقر.

وكان حزب الشعب الديمقراطي من أقدم الأحزاب السياسية التركية وحكم البلد منفردا في فترات من الزمن.

أما حزب الحركة القومية، حزب ذو توجهات قومية وإسلامية إلى حد ما، وقد أيّد أحيانا خطوات حزب العدالة والتنمية.

حزب الشعوب الديمقراطي القومي أيضا من أهم الأحزاب التركية وله نشاط في الأوساط الكردية والقوميين، وفي المدن الكبيرة.

الانتخابات الماضية

في انتخابات 7 من يوليو، حصد حزب العدالة والتنمية 40.87% من الأصوات، و258 كرسيا في البرلمان، ولم يتمكن من تشكيل الحكومة منفردا.

جاء في المرتبة الثانية حزب الشعب الديمقراطي بحصده 24.95% من الأصوات، وحصل على 132 كرسيا في البرلمان. وحصل حزب الحركة القومية على 16.29% من الأصوات، وعلى 80 كرسيا في البرلمان، وفي الدرجة الرابعة كان الحزب الكردي باسم حزب الشعوب الديمقراطي، بالحصول على 80 كرسيا و13.12% من الأصوات. وكانت تلك أول مرة يتجاوز حزب كردي 10% من الأصوات ويحتل مقعدا في البرلمان.

الجدول الأول: الانتخابات البرلمانية التركية في المرة الأولى:

Tr-Ar-1 

تغيير في الجولة الثانية

بعد أن لم يتمكن حزب العدالة والتنمية بـ258 مقعدا برلمانيا تشكيل الحكومة منفردا، ولم تسفر المحادثات من أجل تشكيل الحكومة الائتلافية أي نتيجة، أصدر رجب طيّب أوردوغان مؤسس حزب العدالة والتنمية قرارا بتشكيل حكومة مؤقتة وإجراء انتخابات مبكرة. وقد غيّرت الانتخابات في الجولة الثانية المسرح السياسي تماما، واستطاع حزب العدالة والتنمية اكستاح الانتخابات بأغلبية مقاعد البرلمان.

ففي هذه الانتخابات حصد حزب العدالة والتنمية 49.36% من الأصوات و316 مقعدا في البرلمان، ليؤهل داؤد أوغلو رئيس الحزب لتشكيل الحكومة منفردا. جاء حزب الشعب الديمقراطي بزعامة كمال قليشدار أوغلو في الدرجة الثانية بالحصول على 25.43% من الأصوات و134 مقعدا في البرلمان. وأما حزب الشعوب الديمقراطي بزعامة صلاح الدين ديميرتاش وهو مؤيد من قبل الأكراد ويُعتبر الذراع السياسي لـ(بي كي كي)، فقد تراجع كثيرا ووصل عدد مقاعده من 80، إلى 21 مقعدا، وبالكاد حصل على 10.65% من الأصوات ليؤهله دخول البرلمان.

كانت هزيمة حزب الحركة القومية من الأحداث اللافتة في الانتخابات. فبعد انتخابات 7 من يوليو، كان حزب العدالة والتنمية يريد أن يشكل حكومة ائتلافية مع هذا الحزب، لكن الحزب اشترط أمورا صعبة للائتلاف، لم يقبلها حزب العدالة والتنمية، وفي الانتخابات الأخيرة حصل حزب العدالة والتنمية على 36 معقدا من مجموع 80 مقعدا للحركة القومية.

وبشكل عام تظهر نتائج الانتخابات في الاول من نوفمبر، بمشاركة 16 حزبا و 21 مرشحا مستقلا، فوزا كبيرا لحزب العدالة والتنمية ورجب طيّب أوردوغان الرئيس التركي. ويُعتبر حزب الحركة القومية وحزب الشعوب الديمقراطية من مهزومي الانتخابات.

الجدول الثاني: الانتخابات البرلمانية التركية، في الجولة الثانية:
TR-Ar-2
 

عوامل فوز حزب العدالة والتنمية

يمكن أن نسرد عوامل فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة، باختصار كالتالي:

  • الأمن والاقتصاد

وكان لقلق الشعب التركي تجاه التحديات الأمنية والاقتصادية دور بارز في الفوز الأخير لحزب العدالة والتنمية. وفي الفترة ما بين انتخابات يوليو ونوفمبر، شهدت تركيا أحداثا دامية وتصاعدت وتيرة العنف داخل البلد، وانتهت مهلة الهدنة مع حزب (بي كي كي)، وتراجعت العملة التركية أمام العملات الأجنبية، إضافة إلى أزمة اللاجئين الذين يعبرون تركيا إلى أوروبّا.

ومن المنظار الأمني واجهت تركيا تحديات أمنية كثيرة. لقد أثرت الأوضاع السورية على تركيا، وفي الداخل التركي حدثت أحداث مما سبب مصدر قلق للأتراك تجاه المستقبل. ومن هنا يقول معارضو أوردوغان إن الحكومة عمدت إلى خلق أوضاع اقتصادية وأمنية سيئة طيلة خمسة أشهر الماضية لتخويف الشعب، وكنتيجة له صوّت الشعب خوفا لحزب العدالة والتنمية. لكن حكومة حزب العدالة والتنمية أظهرت جدارته في التعامل مع الاضطرابات الأمنية، وفي إِشارة إلى المواجهة بين الجيش التركي والقوات الكردية، قال أوردوغان الرئيس التركي قبيل الانتخابات الأخيرة إن حصول العدالة والتنمية على غالبية مقاعد البرلمان هو الخيار الوحيد الذي سيحقق آمال الناخبين بعودة الاستقرار إلى البلد.

إن الدخل التركي من السياحة وهو جزء كبير من الدخل التركي أيضا يعوّل على الوضع الأمني. وفي تركيا يشكل الدخل من السياحة في قطاعين 32%، و51%، من الدخل العام، ولهما أوضاع حسّاسة جدا. منذ عام 2006م، ارتفعت أرقام الدخل السياحي. في عام 2006م، زار 18 مليون سائح تركيا، وفي عام 2014م، بلغ العدد 41 مليون، لكن عام 2015م، تراجع العدد كثيرا جرّاء تدهور الوضع الأمني.

  • الخطة الواضحة

تظهر الدراسات أن حزب العدالة والتنمية وبإظهار برنامج عملي واضح في مجالات اقتصادية وأمنية استطاع أن يحصل على غالبية الأصوات في 80 ولاية من 81 ولاية تركية، مقارنة مع الانتخابات الماضية، وخلافا للمتوقع حصل الحزب على تفوق في ولايات يقطنها الأكراد جنوب وجنوب شرق البلد. ربما هو الذي أحدث تغييرا مفاجيئا في نتائج الانتخابات، لأن المراقبين لم يتوقعوا أن يصوّت الأكراد لصالح العدالة والتنمية وهو ما حدث فعلا. ففي الحقيقة لم يقدم أي من الأحزاب برنامجا واضحا للخروج من الأوضاع الحالية الحرجة.

  • الحملات الانتخابية

كرّس حزب العدالة والتنمية هذه المرة جهودا جبّارة في الحملات الانتخابية. وحتى فيما تم الإعلان بنتائج الانتخابات كان زعماء الحزب خارج مكاتبهم، ومتواجدين في الدوائر الانتخابية.

  • هجمات “بي كي كي”

وسببت عمليات حزب العمال الكردستاني وعمليات الحكومة المضادة أن الناخبين لم يصوّتوا لحزب الشعوب الديمقراطي للأكراد، لأن الكثيرين في تركيا يعتبرون الحزب جناحا سياسيا لــ”بي كي كي”، وتراجعت مقاعد الحزب من 80 مقعدا إلى 59 مقعدا. ومن جهة أخرى سبب تقارب المعارضة الكردية من إيران وأمريكا أن الأكراد الإسلاميين الذين صوّتوا في الانتخابات الماضية لصالح حزب الشعوب الديمقراطي، صوّتوا المرة الأخيرة لحزب العدالة والتنمية.

  • الخوف من الحكومة الائتلافية

للشعب التركي تجارب مُرّة مع الحكومات الائتلافية، وشهد من قبل أثر الخلافات الداخلية لهذه الحكومات وكيف يمنعها ذلك من خدمة الشعب. من هنا مال نحو الاستقرار السياسي ورجّح أن يتولى حزب العدالة والتنمية زمام الأمور. وبذلك صوّت عدد من القوميين من مؤيدي حزب الحركة القومية لحزب العدالة والتنمية في المرة الأخيرة.

أثر فوز حزب العدالة والتنمية على الأوضاع التركية

ليست هناك أي توقعات لإجراء تعديلات واسعة في المجال السياسي للحكومة الجديدة، ومع ذلك يمكن أن نلخّص ما سيترتب على فوز حزب العدالة والتنمية في الأمور الآتية:

  • تعديل دستوري

أي حزب ينوي إجراء تعديل دستوري في تركيا، ينبغي أن يكون له 330 مقعدا في برلمان. مع أن حزب العدالة والتنمية لم يحصل على العدد الكافي من المقاعد لإجراء استفتاء لتعديل الدستور وإسناد صلاحيات أكثر للرئيس التركي كما أراده أوردوغان، لكنه أصر في أول كلمة له أمام البرلمان على ضرورة إجراء تعديل دستوري. يريد أوردوغان تغيير النظام من البرلماني إلى الرئاسي. ومن هنا إذا استطاع حزبه بأن يحصل على دعم الأحزاب الأخرى أو النواب المستقلين، فإن ذلك سيؤهله لتعديل الدستور وإجراء استفتاء عليه.

  • سياسة الحرب ضد “بي كي كي”

تتبنى الحكومة الجديدة سياسة حرب ضد “بي كي كي”، أو حزب العمال الكردستاني. وقال أوردوغان في كلمته إنه يستمر في قتال “بي كي كي”، إلى أن يترك الحزب السلاح.

أظهرت هذه الانتخابات نقطة أخرى ذات أهمية في المستقبل السياسي التركي، وهو أن الأكراد في الماضي كانوا يدعمون “بي كي كي”، في كل التوجهات لحربها مع الحكومة، لكن الإسلاميين الأكراد ظهروا الآن في طريقهم نحو الابتعاد من “بي كي كي”، ومن العنف الذي لا يجدي خيرا لهم، ويريدون الآن التعامل مع الحكومة من أجل ضمانة حقوق الأكراد. وهي فرصة كبيرة لأوردوغان بأن يحل أزمة القتال الجارية منذ عشر سنوات مع الأكراد، وهي ما خلقت تحديات أمنية كثيرة لتركيا.

أثر فوز حزب العدالة والتنمية على المنطقة

أزمة اللاجئين، واستمرار الحرب الأهلية السورية، وضرورة المكافحة مع داعش، إلى جانب الملفات الداخلية، كلها قضايا زادت من أهمية الانتخابات التركية على المتسوى العالمي، وعلى مستوى القوى الأجنبية ودول الجيران. بالنظر إلى مكانة حزب العدالة والتنمية، سيكون لفوز هذا الحزب في الانتخابات التركية أثر على دول المنطقة والعالم.

العالم الإسلامي: إذا استطاع الحزب تعديل الدستور من أجل تفويض صلاحيات أكبر للرئيس، ستكون هناك دولة قوية ذات توجهات إسلامية، ومؤثرة على العالم وعلى العالم الإسلامي خاصة. من جهة أخرى ستدخل الحكومة التركية في مواجهة جادة مع تنظيم داعش الذي وُجد على إثر تغييرات سياسية في العالم العربي، لأن التنظيم نفّذ أخيرا هجمات دامية داخل تركيا.

سوريا والعراق: هناك قلق في الأوساط التركية بشأن الحدود الطويلة بين سوريا وتركيا، وبشأن اللاجئين السوريين، وتوسع الاضطرابات الأمنية من سوريا إلى تركيا. لذلك ستضع الحكومة الجديدة ضغوطا على الدول المشاركة في الأزمة السورية والعراقية، كي تنتهي الحرب في المنطقة. ومن هنا وبعد فوز حزبه في الانتخابات تحدث الرئيس التركي مع بوتين الرئيس الروسي حول الأزمة السورية.

أفغانستان: سيكون هناك أثر إيجابي لفوز حزب العدالة والتنمية على الأوضاع الأفغانية، لأن تركيا ومنذ أكثر من عقد مضى كان يؤيد توجهات السلام والاستقرار لأفغانستان. حاولت الحكومة التركية بأن تتحسن العلاقات الأفغانية مع الدول الجارة وخاصة مع باكستان التي لها دور حيوي في عملية السلام الأفغانية. بدأت عام 2007م، في أنقرة “عملية سلام إسطنبول لأفغانستان”، بين أفغانستان وباكستان، جرت ثلاث جلسات ثلاثية لهذه العملية إلى عام 2013م. وفي هذه الجلسات كانت مناقشات تجري من أجل رفع الخلاف في الآراء بين أفغانستان وباكستان، ومن أجل تعاون مشترك بين الدول الثلاث، وبشأن عملية السلام الأفغانية، كلها بوساطة تركية. ومن جهة أخرى نهج المخالفون المسلحون في أفغانستان سياسة مرونة مع تركيا من بين دول أعضاء الناتو المتواجدة في أفغانستان، ويمكن لتركيا أن تلعب دورا إيجابيا في عملية السلام الأفغانية.

النهاية

زيارة نواز شريف إلى أمريكا وأثرها على أفغانستان

في 20 من أكتوبر قام نواز شريف رئيس الوزراء الباكستاني بزيارة إلى أمريكا لمدة أربعة أيام، وتحدث فيها مع الرئيس الأمريكي بشأن الوضع الأمني الأفغاني، وعملية السلام، والوضع الباكستاني، والعلاقات الباكستانية الهندية.

وخلال هذه الزيارة الرسمية الثانية، ألقى نواز شريف كلمة في مركز دراسي وقال: “قلنا للرئيس الأفغاني أشرف غني بأن باكستان جاهزة لبدء عملية السلام المتوقفة، لكنهم لا يسطيعون بأن يقتلوا طالبان وأن يحضروهم إلى طاولة الحوار”.

وكانت هذه الزيارة موضع أهمية كبيرة للهند وأفغانستان. فماذا سيكون أثر هذه الزيارة على الوضع الإقليمي، والعلاقات الهندية الأفغانية مع باكستان؟

خارجية أمريكا بشأن جنوب آسيا

بعد الحرب العالمية الثانية ازداد الاهتمام الأمريكي تجاه دول جنوب آسيا، واختارت أمريكا خطة “ترومين”، بشأن هذه المنطقة. ثم وأثناء الحرب الباردة، أضافت الحرب بين الهند وباكستان لمرتين، والحرب بين الهند والصين، والقضية الأفغانية من الاهتمام الأمريكي. بعد الحرب الباردة أعطت أمريكا أهمية كبيرة في خارجيتها تجاه هذه القضية في مظلة مكافحة “الإرهاب”، و”التطرف”، وخاصة بعد 2001م، أصبح لأمريكا تواجد عسكري قوي في جزء من هذه المنطقة وهو أفغانستان.

مع تسلم أوباما الرئاسة الأمريكية في 2009م، تصاعد الاهتمام الأمريكي من جديد، فيما كان لأمريكا تواجد عسكري في الشرق الأوسط منذ 2003م. ففي 2009م، أعلن أوباما إرسال 30 ألف من القوات الجديدة إلى أفغانستان. وفي 2011م، أعلنت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية عن خطة “إعادة توازن آسيا[1]“. وقالت في مقال لمجلة “فورن باليسي”، : “مع اقتراب نهاية الحرب في العراق وأفغانستان تقف أمريكا في مرحلة مهمة. فقد خصصت أمريكا خلال العقد الماضي كثيرا من إمكانياتها من أجل هاتين الحربين، علينا أن نكون حذرين في العقود القادمة، وأن نصرف وقتنا وقوتنا في مكان صحيح، وذلك لصيانة زعامتنا، ومصالحنا، وقيَمِنا[2]“.

بعد 2011م، توجه الاهتمام الأمريكي نحو جنوب وشرق آسيا، ومن هنا بدأت أمريكا تعزز علاقاتها في المنطقة مع اليابان، والهند، وأستراليا، في منافسة مع الصين القوة الصاعدة.

العلاقات الأمريكية الباكستانية المتحسنة

قبل زيارة نواز شريف الأخيرة إلى أمريكا، كان هناك جدل وقلق بشأن أسلحة باكستان النووية، للقول بأن باكستان تصنع أكبر حجم للأسلحة النووية على المستوى العالمي. بناءً على تقرير لـ”نيويورك تايمز”، تدرس إدارة أوباما خطة لوضع حد على الترسانة النووية الباكستانية، وكان جدل يجري في الأوساط الأمريكية قبل زيارة نواز شريف[3]. وقبل زيارته إلى أمريكا أشار نواز شريف إلى هذه القضية قائلا إن باكستان مجهزة بأسلحة ذرية وأسلحتها محروسة تماما.

لقد انتقدت الحكومة الأمريكية منذ عامين الحكومة الباكستانية من أجل تواجد شبكة حقاني، وحركة طالبان ولشكر طيبة في باكستان، وهددت لعدة مرات بقطع مساعداتها لباكستان. إلى جانب ذلك ومن أجل مصالح أمريكا الدولية تحسنت علاقات أمريكا مع الهند. قام الرئيس الأمريكي في يناير من 2015م، بزيارة رسمية إلى الهند، وفي سبتمبر قام مودي رئيس الوزراء الهندي بزيارة رسمية إلى أمريكا، وقد لعبت الزيارتان دورا إيجابيا في تحسين علاقات الطرفين.

وقد دعى أوباما الرئيس الأمريكي نواز شريف رئيس وزراء باكستان في هذه الفترة لزيارة أمريكا، لتحسين العلاقة مع إسلام آباد بعد تحسينها مع دهلي. ولذلك تعهدت أمريكا لباكستان منح طائرات مقاتلة من نوع (F-16)، ومساعدات في المجالات الأخرى.

إمكانيات باكستان لبدء عملية السلام

وكانت لزيارة نواز شريف إلى أمريكا أهمية أخرى، من ناحية أنها جائت بعد أسبوع تقريبا من إعلان خطة أمريكية جديدة بشأن بقاء القوات الأمريكية في أفغانستان. من جهة أخرى كان ملف الأمن الأفغاني وعملية السلام الأفغانية على قائمة الحديث بين أوباما ونواز شريف، وجاء ذلك في البيان المشترك للبلدين بعد الزيارة، كالتآلي: ” أظهر الزعيمان تعهدا بمحادثات السلام بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان بالزعامة الأفغانية، وطلبا من حركة طالبان بأن تجلس في حوار مع الحكومة الأفغانية وأن تحاور من أجل سلام دائم[4]“.

إلى جانب ذلك، وقبل البيان المشترك أوضح نواز شريف لأوباما “خطة العمل الوطنية”، وما تم رفعها من خطوات ضد طالبان وشبكة حقاني كي لا يتم استغلال الأراضي الباكستانية ضد أفغانستان[5]“.

وخلال كلمته في معهد السلام الأمريكي قال نواز شريف بشأن عملية السلام الأفغانية: “لا يمكنهم قتل طالبان وإحضارهم إلى طاولة الحوار في آن واحد. وباكستان جاهزة لبدء عملية السلام من جديد[6]“. وكانت هناك ردود فعل أفغانية حول هذا التصريح، واعتبره بعض أعضاء المجلس الشيوخ الأفغاني “خدعة”، وطلبوا من الرئيس الأفغاني إلغاء موقفه الأخير مع باكستان. ويرى بعض المحللين أن باكستان غير صادقة في قولها، لأنها لم تضرب حركة طالبان ولم تحضرها إلى طاولة الحوار أيضا.

ليست هذه أول مرة يتم فيها اقتراح بدء عملية السلام، فقد أعلنت إسلام آباد، بعد الإعلان عن وفاة الملا عمر وخاصة بعد وقوع سلسلة من التفجيرات في كابول جاهزيتها عن بدء عملية السلام من جديد، مع أن العلاقات الأفغانية الباكستانية كانت متدهورة أيام تشكيل “حكومة الوحدة الوطنية”، ومنحت الحكومة الأفغانية تنازلات كثيرة للجانب الباكستاني، وتدهورت العلاقات مع الهند كثيرا مقارنة مع فترة حامد كرزاي، لكن سلسلة من التفجيرات في كابول غيّرت موقف أفغانستان الرسمي تجاه باكستان، وبعد أن مر الزمن على تعهدات باكستان من دون التنفيذ، ظهر أن باكستان تظهر دورها أكبر من الحقيقة وتقول ما لا تفعل.

أهمية الزيارة لأفغانستان والهند

قبل زيارة نواز شريف إلى أمريكا، قال أشرف غني الرئيس الأفغاني: “في الأسبوع القادم يزور رئيس الوزراء الباكستاني أمريكا، وسيكون هناك اصرار على إنهاء الملاذات. هناك رسالة واضحة إلى مؤيدي طالبان بأن الطريق الوحيد أمامهم هو التعامل السياسي مع حكومة أفغانستان الشرعية[7]“.

رغم سلسة من أحداث انعدام الثقة بين كابول وإسلام آباد، علّق الرئيس الأفغاني آمالا على زيارة نواز شريف، لكنه بالنظر إلى نتائج الزيارة وتصريحات نواز شريف، يبدو من الصعوبة بمكان أن يرفع المسؤولون السياسيون الباكستانيون أي خطوات ذات آمال للجانب الأفغاني.

من جهة أخرى وبشكل عام بعد سلسلة من تفجيرات مدينة مومبئي وخاصة بعد منذ سنة تدهورت العلاقات كثيرا بين الهند وباكستان، وحدث بعض الاشتباكات على المناطق الحدودية أيضا. وقد اتخذ الجيش الباكستاني موقفا صارما تجاه الهند، وفور وصول نواز شريف إلى سدة الحكم، أشار له مسؤولو الجيش بأن لا يميل في سياسته نحو الهند، مع أنه مال إلى الهند بداية لكنه غيّر موقفه وفق مشورة الجيش. ومن هنا عزل نواز شريف سرتاج عزيز من منصبه كمستشار الأمن الوطني واختار ناصر جنجوعة خلفا له.

واعتبرت صحف هندية ومحللون من الهند هذه الزيارة ذات أهمية كبيرة، وبشكل عام قللت الزيارة من القلق الهندي، لأنها من جهة لم تسفر أي نتائج تُذكر بالنسبة للهند ومن جهة أخرى هناك صبغة استراتيجية للعلاقات الهندية الأمريكية وتدور حول الصين القوة الصاعدة.

النهاية

[1] – Rebalancing Asia / Pivot to Asia

[2] See online: http://foreignpolicy.com/2011/10/11/americas-pacific-century/

[3] See online: http://www.pashtovoa.com/content/pashto-nawaz-sharif-to-visit-us/3009747.html

[4] See online: https://www.whitehouse.gov/the-press-office/2015/10/22/2015-joint-statement-president-barack-obama-and-prime-minister-nawaz

[5] لمزيد من التفاصيل راجع البيان المشترك لأمريكا وباكستان:
https://www.whitehouse.gov/the-press-office/2015/10/22/2015-joint-statement-president-barack-obama-and-prime-minister-nawaz

[6] See online: http://www.usip.org/publications/2015/10/23/pakistan-s-sharif-urges-renewed-peace-talks-in-afghanistan

[7]  صوت أمريكا، زيارة أشرف غني الرئيس الأفغاني إلى مدينة قندوز، 24 ميزان 1394 الهجري الشمسي.
http://www.pashtovoa.com/content/afghanistan-ashraf-ghani-kunduz-security-taliban-us-/3009997.html

مآلات التدخل الروسي العسكري في سوريا

خلق التدخل الروسي العسكري في سوريا موجة من التحديات الجديدة في الشرق الأوسط. وقد وقف الروس إلى جانب إيران وحزب الله في مواجهة مع أهداف غربية وذلك بدعمها لحكومة بشار الأسد في سوريا.

يبدو أن روسيا تريد بهذا الموقف أن تخلق في الشرق الأوسط مقاومة أمام هيمنة أمريكا وحلفائها. ففي مضى كانت روسيا تراقب بصمت سقوط أنظمة مُقلقة لأمريكا منها حكومة القذافي في ليبيا، لكنها الآن تظهر راغبة في لعب دور حيوي في القضايا ذات الأهمية العالمية، وأن تتخذ موقفا صارما تجاه القضايا العالمية.

دعم نظام مهزوم

دخل الروس في صراع من أجل نظام يُعتبر مهزوما. وقد خرجت أجزاء كبيرة من البلد من سيطرة النظام، وأعملت الحكومة مجازر كبيرة بين الشعب أملا في البقاء. غادر ملايين السوريين دورهم، وتوجهوا نحو دول الجيران وأوروبّا.

إن الدفاع عن نظام تركته غالبية الشعب، تُذكّر بالوضع الأفغاني في الثمانينيات من القرن الماضي. فإن دعم روسيا لتلك الحكومة بدلا من أن تحفظ مصالح روسيا العليا ضمن الاتحاد السوفيتي، سبب انهيار الاتحاد وخلقت مجموعات متطرفة لا تزال روسيا تعاني منها.

تعريف الإرهاب

مع أن الروس اتخذوا مواجهة تنظيم “الدولة الإسلامية”، ذريعة تدخلهم في سوريا، إلا أن موسكو تقاتل في سوريا تلك المجموعات التي كانت تقاتلها يوما في أفغانستان، مجموعات مثل القاعدة، وأتباعها، تجدها الآن أمريكا تيارا وسطيا عند المقارنة مع أمريكا!.

ترى أمريكا والغرب بأن المقاتلات الروسية تستهدف مواضع المجموعات الوسطية، بدلا من مقار تنظيم “الدولة الإسلامية”، لكن لدى سرجي لافروف تعريف آخر عن الوسطي. يقول لافروف وزير الخارجية الروسي: “إن الذين يتبنون مثل أفكار الإرهابيين، ويعملون ويلبسون ويمشون مثلهم كلهم من أهداف عملياتنا”. وهو تعريف لا يتطابق مع التعريف السائد في البيت الأبيض إذ الآخر لا يصنّف في إطار “الإرهاب” إلا من شكّل تهديدا لأمريكا. وصرّح لافروف في الثاني من أكتوبر في مؤتمر صحفي قائلا، إن حربنا ليست مع داعش فحسب، بل نقاتل كل الإرهابين الذين يقاتلون نظام الأسد.

التنسيق الإيراني الروسي

يرى المسؤولون الروس للتواجد العسكري الروسي في سوريا خلفية طويلة تصل جذورها إلى أيام الاتحاد السوفيتي، لكن المراقبين يرون بأن توسع التواجد الروسي في سوريا حدث بالتنسيق مع إيران وبدعم منها وذلك للحفاظ على المصالح الروسية في المنطقة. ومن هنا عززت زيارة قاسم سليماني قائد جيش القدس الإيراني إلى موسكو من قرار روسيا للتدخل الأوسع في سوريا. ومع نفي روسيا لهذه الزيارة لكنه واضح وجليّ بأن روسيا لا تقدم على مثل هذه الخطة من دون دعم إيران والتنسيق معها ومع دول موجودة في التراب السوري.

يقول المسؤولون الإيرانيون إن روسيا وإيران بدعم من حزب الله اللبناني في سوريا توفر “مشورات عسكرية”، لحكومة بشار الأسد في المواجهة مع الإرهابيين. المشورات العسكرية هي المصطلح نفسه الذي تستخدمها الدول الغربية في دعمها للحكومة الأفغانية أمام حركة طالبان، ويشمل الدعم الجوّي للقوات الحكومية كما ويشمل عمليات أرضية تجريها القوات الخاصة لهذه الدول.

ضعف أمريكا في الأزمة السورية

إن الاستراتيجية الضعيفة التي مشت عليها أمريكا في الأزمة السورية، جعلت كرملين ترى أن أمريكا تخسر الحرب في سوريا لصالح المجموعات المتطرفة، وأن سقوط الأسد سيعزز من العنف في المنطقة. محاولة أمريكا لإحداث مجموعة وسطية تحارب الأسد وتنافس مجموعات مثل “الدولة الإسلامية”، بائت بالفشل، ورغم المبالغ الكبيرة التي صرفتها أمريكا، لم تستطع إحداث جيش من عناصر موالية لها، وكل من درّبتها أمريكا لهذا الغرض إما التحق بالإرهابيين أو غاب عن المسرح.

استخدام الأسلحة الكيميائية كان الخط الأحمر الذي وضعته أمريكا لنظام الأسد، ورغم عبور الأسد هذا الخط لم يواجه أي ردة فعل أمريكية جادة، وهو ما قلّص شعبية أمريكا لدى مخالفي الأسد.

من جهة أخرى، تعاملت أمريكا وحلفائها طيلة السنوات الماضية مع قضايا أوكرانيا أظهرت أنها لا ترغب في مواجهة مباشرة مع روسيا، وهو ما حرّض الروس للتدخل في سوريا. إذا لم يتخذ الغرب أي موقف صارم تجاه روسيا، فإن الروس سيقدمون على الأكثر من هذا. وفيما اعترضت تركيا على توغل المقاتلات الروسية الأجواء التركية، اعتبرت أمريكا الأمر خطوة استفزازية، وفي حال استمرار الوضع ستخسر أمريكا كثيرا من أوراق القوة.

ما هي أهمية سوريا للروس؟

ما هي أهداف الروس في إرسال القوات إلى سوريا والدفاع عن نظام تخالفه غالبية الشعب؟ يمكن للروس أن يملكوا دلائل عدة منها عواقب التدخل العسكري الأمريكي في الدول الإسلامية. فإن تدخل أمريكا في أفغانستان والعراق بذريعة مكافحة “الإرهاب”، عزز ووسع نطاقه، وفي ليبيا تحول المشهد بعد سقوط القذافي إلى هرج ومرج.

يأتي بعد ليبيا دور سوريا وفي حال سقوط النظام الحالي، ستأخذ المجموعات المتطرفة مكان الأسد. من جهة أخرى تحذّر روسيا الدول الغربية بإرسال القوات إلى سوريا، بأن روسيا تدافع عن مصالحها حتى في سوريا، ولا ينبغي للغرب أن يفكر في بسط نفوذه في دول آسيا الوسطى ودول أوروبّا الشرقية، وأن روسيا لن تغادر هذه الدول وحيدة.

هناك نقطة ذات أهمية وهي أن تقدم القوات المخالفة لنظام الأسد نحو اللازقية غربي البلد، وضع خناقا على النظام. رغم تقبل الأسد خسارة المعركة في القنيطرة، والحسكة، وحتى في مناطق من إدلب، ودرعا، وحلب، إلا أن انسحابه من اللازقية سيشكل نهاية له.

تُعتبر اللازقية معقلا أساسيا وجبهة قوية للمجتمع العلوي السوري، وهي من أكبر موانيء سوريا، إليه ترجع أصول أكبر الموالين للأسد. فيما خسر الأسد هذا المعقل، فإنه سيفقد أي فرصة للبقاء وفي حال سيطرة القوات المخالفة للأسد على هذا الميناء الاستراتيجي، تسيطر المعارضة على طرطوس ثاني أكبر ميناء في سوريا، وتسقط بقية المناطق الساحلية في يد مقاتلي المعارضة.

أسست القوات الروسية البحرية قاعدة بحرية في طرطوس، ولهذا الميناء الاستراتيجي في ساحل المتوسط أهمية كبيرة للروس.

النتيجة

مع أن الصراع الروسي الغربي في سوريا دخل طورا جديدا بالتدخل العسكري الروسي، لكن إمكانية مواجهة عسكرية مباشرة بين أمريكا وروسيا في المنطقة تقل كثيرا. تريد أمريكا جرّ روسيا إلى الأزمة السورية، وفي حال إرسال روسيا قوات أرضية إلى سوريا مثل إيران، فإن أمريكا ستترك روسيا تجرّب أفغانستان أخرى بعد انهيار السوفيتي، في دولة إسلامية أخرى.

بناءً على هذه السياسة تطلب أمريكا حل الأزمة السورية عبر التفاوض بدلا من إسقاط النظام. طلب جون كيري وزير الخارجية الأمريكي من إيران وروسيا أن تستغلا نفوذهما في حمل بشار الأسد إلى طاولة الحوار، وأن تؤجلا عزل الأسد إلى نهاية الحرب.

من جهة أخرى، سيعزز التدخل الروسي العسكري في سوريا بدعم إيران من عداوة الدول العربية المحافظة لروسيا، وقد يشكل هذا الانطباع توجها لدعم المجموعات المخالفة لنظام الأسد.

النهاية

أزمة اللجوء وأوضاع اللاجئين الأفغان عبر العالم

بناءً على تحقيق للاتحاد الأوروبّي، وصل خلال شهر يوليو من عام 2015م، ما يقارب 107500 لاجيء إلى حدود أوروبّا.[1] وهي أول مرة يصل مثل هذا العدد من المهاجرين في شهر واحد إلى أوروبّا بطريقة غير قانونية. وبناءً على هذا التحقيق يشكل الأفغان ثلثي هذا العدد. وتصف وزارة الخارجية الأمريكية في تقريرها لعام 2015م، أوضاع هؤلاء اللاجئين “سيئة للغاية”، وترى أن حكومة أفغانستان لا تنفذ أي محاولة لمكافحة مهربّي البشر.[2]

بشكل عام أصبحت موجة اللجوء شديدة في العالم، ويتجه عدد كبير من اللاجئين إلى أوروبّا من آسيا، والشرق الأوسط، وإفريقيا. ما هي عوامل ازدياد اللجوء عالميا؟ وما هي أوضاع اللاجئين الأفغان؟

عوامل اللجوء إلى أوروبّا

مع تعثر الربيع العربي، أصبحت موجة اللجوء شديدة إلى أوربّا عبر طرق مختلفة، منها شرقي البحر المتوسط، الطريق الوسطي والغربي، وطريق بالقان. وتكمن عوامل ازدياد اللجوء في أمرين: الضغط والجذب.

إن عوامل الضغط هي التي تدفع سكان منطقة ما، للمغادرة والذهاب إلى مكان آخر، مثل الحروب الأهلية، والحكومات المستبدة، والمخالفات السياسية، ومخالفة حقوق الإنسان، والأمراض وغيرها.

من جهة أخرى، تكمن عوامل الجذب في الاقتصاد، والأمن، والسياسة وأمور أخرى، ويمكن أن نلخص عوامل اللجوء إلى أوروبّا من الشرق الأوسط، وإفريقيا وآسيا منذ بضعة أعوام في الآتي:

  • الحرب الأهلية في سوريا: أوصلت الحرب الأهلية التي بدأت في سوريا عام 2011م، البلد حتى عام 2014 إلى أكثر دول العالم لجوءا، ولديه أكثر من 4 ملايين مهاجر إلى الآن.[3] ففي عام 2014م، لجأ إلى أوروبّا 66698 لاجيئا عبر المياه. ويشكل اللاجئون السوريون القسم الأكبر من العدد الذي لجأ إلى أوروبّا خلال الشهور الستة الأولى من عام 2014م.
  • الحرب الأهلية في العراق وداعش: بعد الانسحاب الأمريكي من العراق أصبحت الحرب الأهلية شديدة فيها، وهي مستمرة إلى الآن، ومن هنا بدأ الكثيرون باللجوء إلى أوروبّا. وبعد ظهور تنظيم الدولة في العراق توجه الكثير من الأزيديين إلى أوروبّا. مع عدم وجود أي أرقام دقيقة حول لجوء الأزيديين إلى أوروبّا بعد ظهور تنظيم الدولة، إلا أن تركيا فتحت حدودها على وجه الأيزيديين في سبتمبر من عام 2014م، ويسكن فيها الآن حوالي 30 ألف من الأيزيديين، ويمكن أن يكون البعض قد غادر تركيا إلى أوروبّا عبر المهربين.
  • أفغانستان: وفي أفغانستان تحمل البطالة وانعدام الأمن كثير من أبناء الوطن، على اللجوء إلى أوروبّا. (يأتي لاحقا تفصيل ذلك).
  • عوامل مختلفة في دول إفريقية: لجأ العام الماضي 170000 شخص من الدول الإفريقية إلى أوروبّا، ومنذ بداية عام 2015م، حتى شهر إبريل وصل 21 ألف إفريقي إلى أوروبّا، وخلال ذلك لقي أكثر من 900 شخص حتفهم في البحر المتوسط. الفقر والحكومات المستبدة، والحروب الأهلية عوامل تجبر الإفريقيين على اللجوء.[4]

أزمة اللجوء في أوروبّا

تحولت موجة اللجوء الجارية إلى أوروبّأ إلى أزمة واقعية. وتكمن عوامل تحول هذا اللجوء إلى أزمة حقيقية في الآتي:

أولا: حدثت خلافات بين اللاجئين وسكان الدول الأوروبّية، وظهرت حركات ضد اللجوء، منها الحزب القومي الإنجليزي، والجبهة القومية الفرنسية، والحزب الشعبي السويدي، وحزب في ألمانيا وغير ذلك.

ثانيا: بعد الربيع العربي انطلقت حرب أهلية في الشرق الأوسط، إضافة إلى ذلك، تواجد حكومات مستبدة في إفريقيا، والأمراض، والأزمات المالية، وانعدام الأمن في أفغانستان عوامل أجبرت الكثيرين للتوجه نحو أوروبّا، وهي عوامل تزداد يوما بعد يوم لتزداد معها موجة اللجوء إلى أوروبّا. ففي شهر يوليو من عام 2015م، فقط لجأ إلى أوروبّا أكثر من 100 ألف لاجيء، ومن المزعم إن يصل ألمانيا خلال هذا العام 800 ألف لاجيء.[5]

ثالثا: غرق سفن المهاجرين في البحر المتوسط، إذا توفي إثر ذلك عام 2014 فقط، 3072 شخص.[6] وبناءً على تحقيق لمجلة “تلغراف”، فاق العدد هذا العام 2000 شخص. وغرفت الأسبوع الماض سفينة أخرى لقي فيها 49 مصرعهم. وهو أمر بدّل الهجرة إلى أزمة.[7]

رابعا: وضع كثير من الدول خطوات ساقية على المهاجرين، وتسد بها الهجرة غير القانونية إلى حد كبير. وعلى سبيل المثال نصّبت هنغاريا، على حدودها مع  صربستان الأسلاك الشائكة لمنع المهاجرين. وللأزمة المالية في أوروبا دور مهم في الأمر أيضا.

عوامل الهجرة من أفغانستان

تظهر الأرقام خلال عامين ماضيَيْن بأن كثير من الأفغان لجأوا إلى أوروبّا بطريقة غير قانونية. إنه من الصعوبة بمكان تحديد العدد الدقيق من الهجرة الأفغانية إلى أوروبّا، ومع ذلك هناك إحصاءات أجرتها بعض المؤسسات، وبناءً على إحصاء واحد، قدم 26215 شخص طلب اللجوء عام 2013م. وصل العدد عام 2014م، 41370 شخص، وفي العام الجاري إذ ازدادت عوامل الهجرة يزداد عدد المهاجرين يوميا.[8]

وتكمن عوامل توجه الأفغان نحو أوروبّا أكثر من أي وقت آخر في الآتي:

  • انعدام الأمن: بالنظر إلى 15 سنة الماضية ندرك أن الحرب تشتد كل عام، إلا أنها اشتدت أكثر من أي وقت آخر في العام الأخير. بعد شهور من توقيع الاتفاقية الأمنية بدأت سلسلة التفجيرات في العاصمة، كما وحدث ذلك بعد الإعلان بوفاة الملا محمد عمر. وبعد تشكيل “حكومة الوحدة الوطنية”، اتسعت رقعة الحرب من الجنوب إلى الشمال، وأضاف ظهور داعش المشهد أكثر غموضا. وبناءً على تحقيق لـ”يوناما”، لقي 5000 مدني حتفهم منذ بدء عام 2015 وحتى منتصفه، إثر التفجيرات والحروب. وهو وضع يجبر الكثير على اللجوء ومغادرة البلد.[9]
  • البطالة: الباطالة المتفشية في أرجاء البلد عامل أساسي آخر في إجبار الأفغان على اللجوء. ويرغب ملايين من الشباب الأفغاني، الذين لا تتوفر فرص عمل لهم في أفغانستان، في اللجوء إلى أوروبّأ، لرفع مشاكلهم المالية.
  • شروط القبول السهلة في بعض الدول الأوروبّية: هناك البطالة، والحرب، والوضع الأمني المتدهور من جهة، ومن جهة أخرى هناك شروط قبول سهلة في بعض الدول الأوروبّية، تجلب الأفغان نحوها. وفي اللقاءات التي أجريت خلال عشرة أيام الماضية الكل يذكر ألمانيا، وسويدن، ويبحثون طريق الوصول إليها.
  • العامل الاقتصادي: أفغانستان بلد فقير ويعيش كثير من سكانها تحت خط الفقر، ويتجه شبابها لحل مشاكلهم المالية إلى الدول الصناعية المزدهرة.

أوضاع اللاجئين الأفغان

ينقسم اللاجئون الأفغان عموما إلى ثلاثة أقسام تالية: اللاجئون الأفغان في إيران، واللاجئون الأفغان في باكستان، واللاجئون الأفغان في أوروبّا.

نشرت وزارة الخارجية الأمريكية في شهر يوليو من عام 2015م، تقريرا حول تهريب الإنسان، تمت فيها مناقشة أوضاع المهاجرين بشكل عام. جاء فيها بشأن أفغانستان: أفغانستان مصدر لتهريب الرجال والنساء والأطفال من أجل العبودية والجنس. يشكل الأطفال الحجم الأكبر من تهريب الإنسان في أفغانستان، وهم يعملون بعد ذلك في مصانع الفرش واللبنات، يضطرون للتساؤل، ويحمَلون على تهريب المخدرات وتجارة الجنس. [10]

إيران: ليست أوضاع المهاجرين الأفغان في إيران جيدة، إذ يتم حبسهم وإعدامهم. ونشرت تقارير دولية كثيرة حول استغلال إيران اللاجئين الأفغان في الحرب الأهلية في سوريا إزاء مبالغ مالية. ومن هنا رجع 137803 لاجيء أفغاني غير مسجل إلى أفغانستان منذ بدء عام 2015م وحتى 30 من يونيو، وذلك رغم إذعان المسؤولين الإيرانيين الأسبوع الماضي بأنه يتم إرسال اللاجئين الأفغان المسلجين وغير المسجلين إلى بلدهم طواعية فقط.[11]

باكستان: بعد أن حدث هجوم عسكري على مدرسة تابعة للجيش في مدينة بيشاور الباكستانية، وأصبحت الإجراءات مشددة تجاه الإرهاب واللاجئين الأفغان، بدأ اللاجئون الأفغان الرجوع إلى بلدهم. وبناءً على أرقام “منظمة الهجرة العالمية”، رجع 91458 لاجيء أفغاني إلى بلدهم منذ بدء عام 2015م، إلى 30 من شهر يونيو. وكانوا لاجئين غير مسلجين. وتظهر هذه الأرقام ازدياد في معدل الرجوع. مع أن باكستان تعهدت خلال زيارة وزير المهاجرين الأفغان إليها بأن تبدأ تسجيل اللاجئين غير المسجلين، لكن العملية لم تبدأ بعد، وبالنظر إلى الأوضاع السياسية الأخيرة قد تتأخير العملية كثيرا.[12]

ويرجع بعض اللاجئين المسلجين أيضا، لكنهم يسطيعون البقاء في باكستان إلى نهاية عام 2015م، رغم مستقبلهم الغامض بعد عام 2015م، فإما أن يتم تمديد مهلة بطاقاتهم، أو يواجهوا الغموض، أو يرجعوا.

بقية العالم: يواجه اللاجئون الأفغان إلى أوروبّا خطرا عظيما، وفي بعض الأحيان يُقتلون على أيدي شرطة الحدود، أو تغرق سفنهم. وبعد الوصول إلى أوروبّا يمضون فترات طويلة من دون أي عمل، وأحيانا يسكنون الغابات لأمد طويل.

النهاية

[1] See online:

http://www.aljazeera.com/news/2015/08/record-influx-migrants-europe-mediterranean-eu-150819022218296.html

[2] see online:

http://www.state.gov/documents/organization/245365.pdf

[3] see online:

http://1tvnews.af/en/news/afghanistan/17186-syrians-replace-afghans-as-largest-refugee-population

[4] see online:

http://www.bbc.com/news/world-europe-24583286

[5] see online:

http://www.bbc.com/pashto/world/2015/08/150818_gn_germany_to_expect_750000_refugees_in_2015_report

[6] see online:

http://www.unhcr.org/print/552e603f9.html

[7] see online:

http://www.telegraph.co.uk/news/worldnews/europe/italy/11782584/More-than-2000-migrant-deaths-in-Mediterranean-in-2015-says-monitoring-group.html

[8] see online:

http://ec.europa.eu/eurostat/statistics-explained/index.php/File:Countries_of_origin_of_(non-EU)_asylum_seekers_in_the_EU-28_Member_States,_2013_and_2014_YB15_III.png

[9] see online:

http://www.rt.com/news/311650-afghanistan-death-toll-2015/

[10] see online:

http://www.state.gov/documents/organization/243558.pdf

[11] see online:

http://afghanistan.iom.int/sites/default/files/Reports/undocumented_afghan_returns_from_iran_and_pakistan_jan-jun_2015.pdf

[12] see online:

http://afghanistan.iom.int/sites/default/files/Reports/undocumented_afghan_returns_from_iran_and_pakistan_jan-jun_2015.pdf

الاتفاق النووي الإيراني الغربي وأثره على أفغانستان والمنطقة

منذ بضعة عقود كان ملف النووي الإيراني قضية ذات أهمية في الشرق الأوسط وسببت تدهورا في علاقات الثورة الإيرانية الإسلامية مع دول عدة في المنطقة وخاصة السعودية وإسرائيل. فهذه الدول رأت إلى إيران الذرية كخطر على نفسها وفي الوقت نفسه اعتبرت إيران قوة منافسة أمام نفوذها في المنطقة. ومنها اقتربت بعض الدول العربية ومعها إسرائيل من أمريكا ورحّبت بوضع العقوبات على إيران.

وكانت المحادثات جارية بين إيران والغرب على الملف النووي منذ عقد من الزمن، إلا أنها دخلت مرحلة تطورية فور تسلم حسن روحاني الرئاسة الإيرانية، وبعد 18 أشهر من المحادثات وصل الطرفان على توافق مبدئي مهّد الطريق لتوقيع اتفاقية نووية تاريخية على حد تعبير الطرفين.

وظهرت ردود فعل واسعة على المستوى العالمي بشأن التوافق، رحّبت بها دول كثيرة، كما ورحّبت بها كل أعضاء مجلس الأمن في الأمم المتحدة ضمن قرار برقم 2231. من جهة أخرى وفي الشرق الأوسط كانت ردود فعل مخالفة بشأن هذا الاتفاق، مما سبب تدهورا في علاقات بعض الدول العربية وإسرائيل مع أمريكا، وبعثت أمريكا وزيرها للدفاع إلى هذه الدول للإطمئنان، فالتقى ايشتن كارتر مع العاهل السعودي ملك سلمان ونتنياهو في إسرائيل.

إلى جانب ذلك، ظهرت في الإعلام الغربي توقعات بتعزيز العلاقات الدفاعية بين أمريكا وإسرائيل، وذلك للحد من المخالفة الإسرائيلية.

إن توافق إيران مع القوى النووية العالمية الست ستؤثر حتما على إيران وعلى سياستها الخارجية، ولكن ماذا سيكون أثره على المنطقة وأفغانستان؟

نظرة على برنامج إيران النووي

بدأ برنامج إيران النووي عام 1957م، عندما بدأت أمريكا التعاون مع إيران في خطة “النووي من أجل السلام”. بعدها تغير هذا التعاون بمنح أمريكا لإيران “خمسة ميكاوات من المفاعل النووية البحثية”[1]. حينها كانت العلاقات الأمريكية الإيرانية على ذروتها، وكانت طهران تُعتبر من حماة المصالح الأمريكية في المنطقة.

أسس رضاه شاه عام 1974م، منظمة إيران النووية، وأظهر أملا بأن تتمكن إيران في 20 عاما القادمة من توليد 23 ألف ميكاوات من الكهرباء عبر هذه الطاقة[2]، ولكن بعد حدوث “الثورة الإسلامية” في إيران تدهورت العلاقات الأمريكية الإيرانية، وكانت لها عوامل كثيرة على رأسها:

أولا: نقد الثوريين على أمريكا والغرب،

ثانيا: حبس الدبلوماسيين الأمريكيين،

ثالثا: وضع العقوبات على إيران.

رغم تدهور العلاقة تم التعاون الأمريكي مع البرنامج النووي والذي كانت في ثوب سلمي. إضافة إلى ذلك دخلت إيران في حرب طويلة مع العراق، ويرى بعض المراقبين بأن إيران اقتنعت خلال هذه الحرب بضرورة امتلاكها سلاحا نوويا كي تضمن أمنها.

وعلى حد وصف “منظمة الطاقة الذرية العالمية” حصلت إيران عام 1987م، على بعض مساعدات فنية من قبل عبدالقدير خان[3]. وفي التسعينيات وضعت أمريكا بعض التحضيرات على إيران، ازدادت أكثر فأكثر من عام 2002م، إلى عام 2014م. وبدأت إيران محادثات مع دول 5+1 على برنامجها النووي[4]. شهدت هذه المحادثات منحنيات كثيرة، ولكن لم يصل الطرفان إلى أية نتيجة حاسمة.

عندما أصبح حسن روحاني رئيسا لإيران، بدأت المحادثات على النووي من جديد، وتكلم الرئيس الأمريكي أوباما مع روحاني عبر هاتف، وكان ذلك أول اتصال على هذا المستوى منذ بضعة عقود.

في البداية اتفقت أمريكا مع إيران على اتفاقية لمدة ستة أشهر، كان بموجبه على إيران توقيف تخضيب اليورانيوم لمدة ستة أشهر، وعلى أمريكا توقيف وضع الحضيرات على إيران من أجل النووي الإيراني[5]. وأما الآن فقد تم التوافق مبدئيا على اتفاقية طويلة المدى بين إيران ودول 5+1.

إلى جانب ذلك، ظهرت في الإعلام الغربي توقعات بتعزيز العلاقات الدفاعية بين أمريكا وإسرائيل، وذلك للحد من المخالفة الإسرائيلية

الآن وبعد أربعة أشهر من المحادثات تطور توافق لوزان المبدئي إلى اتفاق جامع في فييانا.

ائتلاف إيراني أمريكي غير معلن

تحدث الإعلام كثيرا عن خطة أوباما، وصرّح هو بنفسه في حوار مع صحيفة نيويورك تايمز قائلا: “نحن نتعهد بالجاد أنهم (الإسرائيليون) يحافظوا على تفوقهم العسكري في المنطقة”. ولكنه يريد أيضا أن يخرج علاقاته مع كيوبا، وميانمار وإيران من دوّامه العقوبات. ومن هنا عزز علاقاته المتدهورة منذ خمسة عقود مع كيوبا من جديد، ووصل مع إيران، تزامنا مع انتشار داعش، على اتفاق نووي.

ويرى د.أحمد الموصلي أستاذ في الجامعة الأمريكية في بيروت بأن الأمريكيين وصلوا إلى قناعة بعدم القدرة على إرسال الجنود إلى الميدان، وأن إيران وحدها تستطيع محاربة التكفيريين. وبسببه أبرمت أمريكا الاتفاق النووي مع إيران وهو ما سيعزز الاقتصاد الإيراني كثيرا. وستعاد مثلا إلى إيران 120 مليار دولار من أموالها المجمدة، وسيرتفع إصدار إيران من النفط الذي تقلص على إثر تعزيرات 2012 و2013 إلى 50%. وهناك شركات دولية كثيرا ترغب في الاستثمار في إيران.

وتأتي الاتفاقية النووية في حال تريد أمريكا إحداث ائتلاف ضد داعش، وفي الصعيد نفسه زار قائد أركان الجيش الأمريكي أفغانستان. وتريد إيران أيضا إحداث نفس الائتلاف في المنطقة لاعتبارها داعش أكبر خطر على أمنها.

أثر الاتفاق النووي الإيراني الغربي على المنطقة

الشرق الأوسط: أثار الاتفاق النووي الغربي مع إيران ردود فعل كثيرة في السعودية وإسرائيل، لأن إيران تُعتبر منافسا قويا لهما في المنطقة. تتهم إسرائيل إيران بدعم حماس، وهناك منافسة إقليمية استراتيجة بينهما، أما السعودية فهي في منافسة فكرية واستراتيجية مع إيران.

اعتبرت إسرائيل هذا الاتفاق “خطأ تاريخيا”، ورأى نتنياهو رئيس الكيان الإسرائيلي أن هذا الاتفاق سيحول إيران إلى قوة ذرية خلال أسابيع عدة، وأن رفح التعزيرات سيجلب أموالا كثيرة لإيران مما سيعزز دخل إيران للصرف على صواريخ بعيدة المنال ودعم حزب الله وحلفائها.

وأظهرت السعودية أيضا قلقها من هذا الاتفاق، لأنها تخاف من إيران النووية. وتسائل المسؤولون السعوديون من كارتر وزير الدفاع الأمريكي خلال زيارته للمملكة، إذا ما خالفت إيران الاتفاق فهل تعود أمريكا لوضع العقوبات المالية؟ وتعهد وزير الدفاع الأمريكي بذلك لهم[6].

آسيا الجنوبية: وترى باكستان إلى ذلك بتفائل، لأنها سترفع سقف تجارتها مع إيران من جهة، ومن جهة أخرى تبدأ عملها في مشارع مشتركة مع إيران تم وقفها بضغوط أمريكية مثل مشروع غاز بين إيران وباكستان والهند.

ورحّبت الهند بالاتفاق أيضا واعتبرته في مصلحتها، لأن الاتفاق يفتح الباب أوسع على وجه تعاونات اقتصادية وتجارية بين الهند وإيران.

إيران تملك كثيرا من مصادر الغاز والنفط والهند بلد مصرفي يستورد كثيرا من الطاقات الضرورية، فيمكنها استيراد النفط من إيران. كانت الهند تستورد في 2008 و2009، 17% من ضرورتها في الطاقة من إيران، ولكن بعد وضع العقوبات الأمريكية على إيران توقف مشروع أنبوب الغاز بين إيران وباكستان والهند وتقلص استيراد الهند من إيران إلى 6%. إضافة إلى ذلك يصب هذا الاتفاق في صالح الهند في مجال النقل ويمكنها الوصول إلى أفغانستان وآسيا الوسطى عبر معبر شابهار.

أثر الاتفاق الإيراني الغربي على أفغانستان

يشعر كثير من الأفغان بقلق تجاه الاتفاق النووي بين الغرب وإيران، لأنهم يرون بأن الاقتصاد الإيراني المتصاعد يوفر أرضية أوسع لدعم حلفاء إيران في البلد وفي تعزيز الهجوم الثقافي. ولكن هناك من يرى غير ذلك، ويتوقع أن ينفع الاتفاق أفغانستان في المجال التجاري والاستراتيجي والاقتصادي. في الحقيقة سيؤثر هذا الاتفاق إيجابيا وسلبيا معا على الوضع الأفغاني.

إنه سيكون في صالح أفغانستان، لأن إيران يمكنهما من جهة العمل على مشارع اقتصادية مثل (أنبوب غاز بين الصين وأفغانستان وإيران)، ومن جهة أخرى ستدخل في منافسة مع إيران في مجال النفط، لأن أي بلد يرغب بمرور الأنبوب من أرضه. وتكمن الأزمة الأفغانية هنا في الوضع الأمني المتدهور يوميا، ولذلك لا يمكن العمل لا في المناجم ولا في أنابيب الغاز.

وبسبب الاتفاق النووي بين إيران والغرب ستنخفض أسعار النفط في الأسواق. لأن إيران تصدر حاليا 1.2 مليون برميل يوميا، وكان الرقم قبل وضع العقوبات 2.2 مليون برميل يوميا. وعند رفع العقوبات بناءً على الاتفاق النووي يرتفع التصدير الإيراني مما يزيد عرض النفط إلى الأسواق وهو ما يسبب انخفاضا في أسعاره. ولأن أفغانستان تصرف الكثير في استيراد النفط يمكنها بعد ذلك استيراد النفط من إيران بسعر أقل.

وسيجلب الاتفاق النووي تعاونا بين أمريكا وإيران في أفغانستان. وعلى حد تعبير محمد رضا بهرامي السفير الإيراني في كابول سوف يفتح رفع العقوبات الباب على الاستثمار الإيراني في أفغانستان، ويدعم البلد في مجال النقل. فقد تم وقف العمل، المدعوم هنديا، على معبر شاه بهار الإيرانية على مقربة من معبر غوادر الباكستانية بأسباب منها العقوبات الأمريكية على إيران. الآن وفي حال رفع العقوبات وانهماك الهند في التعاون مع إيران سوف يبدأ العمل على شاه بهار وهو ما سيؤثر كثيرا على أفغانستان في مجال النقل.

وفي المجال التجاري تزداد التجارة مع العالم والهند، لأن التُجار الأفغان يواجهون مشاكل كثيرة في باكستان، ورغم تحسن العلاقات بين البلدين تبقى هذه المشاكل على حالها. من جهة أخرى وبسبب اتفاقية “أبتا”، والعلاقات الهندية الباكستانية لا يمكن للتجار الأفغان أن ينخرطوا عبر باكستان في معاملات تجارية مباشرة مع الهند.

ويمكن لأفغانستان أن تلعب دور الوساطة في نقل الأمتعة الهندية إلى آسيا الوسطى، لأن الهند يمكنها بناء صلة مع تركمنستان عبر إيران فقط، لكنها تحتاج إلى أفغانستان في الوصول إلى طاجكستان وهي بلد له علاقات وثيقة مع الهند.

في المقابل هنك آراء سلبية تبعث على القلق، ومنها أن إيران يمكنها بعد رفع العقوبات أن يطلق عنان مواجهتا مع داعش في أفغانستان. وفيما تم ذلك بدون تنسيق مع الحكومة الأفغانية فإن إيران سوف تلجأ إلى مجموعة أخرى لتقاتل داعش. وهناك من يرى بأن أفغانستان بعد هذا الاتفاق سوف يصبح ميدانا للمنافسات والسياسات الإقليمية بالوكالة.

النهاية

[1] Iram Khalid & Rehana Saeed Hashmi, Iranian Nuclear Deal: Future Perspectives and Implications for the Region, Pakistan Vision, Vol. 15, No.1

[2] Arms Control, Timeline of Nuclear Diplomacy with Iran.

[3] Albright, D. (2007). Iran’s Nuclear Program: Status and Uncertainties, Washington DC: Congress Committee on Foreign Affairs.

[4]  دول 5+1 هي خمسة دول الأعضاء الدائمة في مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا.

 [5] راجع الرابط التالي:  http://www.aljazeera.com/news/middleeast/2013/11/shifting-focus-impact-iran-nuclear-deal-2013112481732726811.html

[6] لمزيد من التفاصيل راجع الرابط التالي:

http://www.nytimes.com/2015/07/23/world/middleeast/iran-nuclear-deal-saudi-arabia.html?_r=0