على أساس تقارير نشرتها وسائل إعلام باكستانية، حذّرت الحكومة الباكستانية حركة طالبان أفغانستان، بأنها إن لم توقف عملياتها في فصل الربيع وإن لم تتوجه نحو عملية السلام فإن ذلك قد يجلب نتائج غير مرغوبة. وقبل هذا أبدى نواز شريف خلال زيارته إلى كابول تصريحات مخالفة لطالبان، لم تشهد الساحة الباكستانية مثلها. وقال متحدثا: “إن أعداء كابول لن يكونوا أصدقاء إسلام آباد”.

منذ ثلاثة أشهر تشهد العلاقات بين كابول وإسلام آباد حالة من التحسن، وازدادت زيارات المسؤولين من الجانبين. وتغيّرت سياسة أفغانستان تجاه باكستان، وتأمل كابول تغييرا في الجانب الباكستاني وفي موقفها التقليدي.

ومع ذلك نشرت صحيفة “وال استريت جورنال”، تقارير عن محادثات بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان أفغانستان في الصين، وعُقدت في إسلام آباد جلسة تمهيدية لعملية “إسطنبول”، شارك فيها من الجناب الأفغاني خليل كرزاي نائب وزير الخارجية الأفغاني.

العلاقات الأخيرة بين كابول وإسلام آباد

ومع تحسن العلاقات الأفغانية الباكستانية، بدأ المسؤولون من الطرفين بتبادل زيارات مكثفة. وفي بضعة أشهر الماضية فقط، قام سرتاج عزيز مستشار الأمن الوطني الباكستاني بثلاث زيارات إلى أفغانستان، وقام راحيل شريف قائد الجيش الباكستاني أيضا بثلاث زيارات، فيما زار رضوان أختر رئيس المخابرات الباكستانية أفغانستان أربع مرات. إلى جانب ذلك قام خرم دستجير وزير التجارة الباكستاني، وبرويز ختك زعيم إقليم خيبربختونخواه مع وزرائه، وزعماء الأحزاب السياسية البشوتية (أفراسياب ختك، آفتاب شيرباو، أسكزاي)، وقادة في الحزب الشعبي (آصف علي زرداري، يوسف رضا جيلاني، وشير رحمان)، بزيارات كثيرة إلى كابول، وعلى أساس بعض التقارير قبل بعض الزعماء في حركات دينية من أمثال فضل الرحمن، وسراج الحق دعوة الحكومة الأفغانية.

إن ازدياد زيارات المسؤولين في الأشهر الماضية بين كابول وإسلام آباد يمكن أن يكمن سببها في تغيير السياسة الخارجية لدى الطرفين. الحكومة الأفغانية ومنذ خمسة أشهر تبنت سياسة خارجية تدور حول باكستان، ومن جهة أخرى تغيّرت سياسة باكستان تجاه أفغانستان إلى حد ما، إن لم تتغير كثيرا، إلا أن تصريحات المسؤولين الباكستانيين من حين لآخر ومنذ خمسة أشهر بعثت آمالا للجانب الأفغاني.

وقد أثّرت سياسة أفغانستان الموالية لباكستان على الحكومة الأفغانية أيضا. فإنها واجهت انتقادات داخلية من جهة، ومن جهة أخرى استفزّت هذه السياسة حركة طالبان أفغانستان، لأن تغيير سياسة باكستان مع أثره على طالبان أفغانستان، إلا أن الأخيرة ترى لنفسها حرية قرار، وتعتبر موقفها في عملية السلام الأفغانية بعيدا عن التأثير الباكستاني. ولذلك فإن تحركات طالبان الدامية الأخيرة بدلا من أن تظهر السياسة المزدوجة لدى باكستان، تظهر أن حركة طالبان تنوي إثبات نفسها حرة وذات قرار حر.

هل تغيّرت سياسة باكستان؟

ومع نهاية حكم الجنرال مشرف في باكستان ووصول الحزب الشعبي إلى سدة الحكم، بدأ في باكستان تساؤل يقول: هل تغيّرت خارجية باكستان تجاه أفغانستان؟ بعده في 2013م ثار هذا الجدل مرة أخرى عندما فاز حزب رابطة المسلمين نواز شريف الانتخابات، وفي عام 2013م، قام بزيارة إلى أفغانستان. إلا أن خارجية باكستان تجاه أفغانستان لم تتغير لا في عهد آصف علي زرداري ولا في عهد نواز شريف.

ومع تشكيل الحكومة الائتلافية في أفغانستان، وبعد حدوث هجوم عسكري على مدرسة تابعة للجيش في بيشاور، ظهر للعلن أن خطة باكستان تجاه أفغانسان قد تغيّرت. وقد عقدت الحكومة الأفغانية آمالا عريضة على إسلام آباد بما ظهر من الأخيرة من تغييرات، فسارعت في منح تنازلات للجانب الباكستاني.

إلا أن التغيير الذي حدث في الخارجية الباكستانية تجاه أفغانستان، إنما صبّت في مصلحة باكستان فقط. فإن أفغانستان منحت لباكستان تنازلات، تأثرت العلاقات الأفغانية الهندية بالتقارب الباكستاني الهندي، وأصبحت الهند على بعد من أفغانستان مقارنة بأيام حكم كرزاي.

محادثات السلام وشائعات جديدة

في الأسبوع الماضي نشرت صحيفة “وال استريت جورنال”، تقريرا أفاد بأن محادثات بين حركة طالبان أفغانستان والمجلس الأفغاني الأعلى للسلام حدثت في مدينة أورومتشي الخاضعة للسيطرة الصينية، وذلك بوساطة من الصين والمخابرات الباكستانية (آي إس آي). وقد انتشر الخبر واسعا في الإعلام الأفغاني والدولي. إلا أن حركة طالبان رفضت ذلك، واعتبر الأخبار “شائعة”، كما واعتبر المجلس الأعلى للسلام “مزورا”.

يقال إن معصوم أستانيكزاي أمين المجلس الأفغاني الأعلى للسلام قد شارك في هذه المحادثات، فيما شارك نيابة عن حركة طالبان الملا عبدالجليل، والملا محمد حسن رحماني، والملا عبدالرزاق. إلا وبالنظر إلى البيان الرسمي لحركة طالبان أفغانستان يبدو أن مندوبي الحركة الرسميين لم يشاركوا في المحادثات. وأكّد بعض المصادر لمركز الدراسات الاستراتيجية والإقليمية بأن هؤلاء ليسوا من أعضاء مكتب طالبان في قطر. ولا يُستعبد أن يكونوا قد لعبوا دور وساطة بين طالبان والمجلس الأفغاني الأعلى للسلام من أجل توصيل الرسالة وبناء الثقة. ومن هنا يقال أيضا، بأن معصوم استانيكزاي وبعد يوم من تلك المحادثات تم ترشيحه وزيرا للدفاع.

وحتى إن كان مندوبو حركة طالبان قد شاركوا في المحادثات، بالنظر إلى ما أرادت باكستان من إظهار موقفها مؤثرا في عملية السلام الأفغانية عبر وسائل إعلامها ونشر تقارير غير دقيقة. على سبيل المثال نشر الإعلام الباكستاني قبل فترة بأن قاري دين محمد عضو مكتب طالبان في قطر التقى في إسلام آباد مع المسؤولين الباكستانيين حول عملية السلام الأفغانية، وأن محادثات السلام الأفغانية سوف تبدأ خلال أسبوع في كابول، إلا أن الخبر كان عاريا عن الصحة. والآن أيضا إذا كان مندوبو طالبان قد ذهبوا إلى الصين من باكستان، لكان الإعلام الباكستاني نشر ذلك، ومن هنا يبدو بأن مندوبي طالبان المشاركين في جلسة الصين تم إصدار جوازات سفرهم من كابول.

إن مدى صحة الخبر ليست عليها شواهد، ولكن وبالنظر إلى لقاءات وحوارات لأعضاء في المجلس الأفغاني الأعلى للسلام، يمكن أن نقول إن الجلسة عُقدت في الصين، إلا أن تفاصيل ما جرى فيها تبقى غامضة.

تعهدات باكستان والحرب الدامية

إن حكومة باكستان تكرر تعهدها في مجال إحلال السلام مع الحكومة الأفغانية في حال أعلنت وأطلقت حركة طالبان أفغانستان عمليات أكثر عنفا مقارنة بالسنوات الماضية. وفي جلسة مؤسسة “بكواش” المنعقدة حول السلام الأفغاني في قطر أيضا انتقدت حركة طالبان سياسة أشرف غني المبنية حول محور باكستان وأبدت حساسية شديدة تجاهها. وكانت أولى مرة تنتقد الحركة سياسة الحكومة الأفغانية تجاه باكستان علنا. مع أن حركة طالبان لم تذكر صراحة اسم باكستان إلا أن الهدف كان باكستان ولا غير.

إن بدء طالبان عمليات في فصل الربيع بعنف يظهر أثر باكستان على تلك المجموعة الأفغانية. يقال الآن بأن باكستان تعهد بوقف هذه العمليات، وأنها تهدد طالبان بذلك. إلا أن حقيقة أخرى تكمن في الأمر وهي أن باكستان دوما أظهرت موقفها أمام طالبان أكبر مما هو في الواقع، واستغلت ذلك كورقة ضغط دوما. وهو ما جعل أشرف غني في وضع حرج، فبدلا من أن يبحث عن عوامل الحرب داخل البلد ويعمل على إخمادها، إلا أنه اعتبر كل شيء في يد باكستان.

وفي السابق أيضا واجهت الحكومات الأفغانية نفس الأزمة. وأما “حكومة الوحدة الوطنية” لم تقدر بإجراء جيد حتى تكسب قلوب الأفغان في العاصمة الأفغانية كابول. وبعد تشكيل هذه الحكومة بدأ الشعب حتى في العاصمة يترحمون على حكومة الرئيس السابق. ومع الإذعان بسطحية كثير من آراء الشعب، إلا أن السياسات الفاشلة للحكومة تقف وراء ذلك.

مستقبل العلاقات الأفغانية الباكستانية

إن الزيارة الأخيرة التي قام بها نواز شريف ومعه راحيل شريف، يمكن أن تقلص من حدة القلق لدى الحكومة الأفغانية، إلا أن مستقبل العلاقات الأفغانية الباكستانية يدور حول عوامل آتية:

  • الأمن الأفغاني
  • عملية السلام

تبدي باكستان منذ بضعة أشهر تصريحات إيجابية تجاه عملية السلام الأفغانية، ومع ذلك لم تقم بشيء في الميدان العملي، بل وزاد الأمن سوءا أيضا. وعلى أساس تحقيق لـ”يوناما”، في أربعة أشهر الأولى من عام 2015م، قُتل في هجمات وانفجارات مختلفة 974 مدنيا وجُرح 1963 آخرون. وعلى أساس تقرير نشرت “نيويورك تايمز”، في الأشهر الأربعة الأولى من العام 2015م، قُتل 1800 جندي أفغاني وجُرح 3400 آخرون.

هناك عامل واحد يجعل الحكومة الأفغانية تعقد آمالها دوما على الدور الباكستاني في عملية السلام، وهو أنه كلما زادت في الشارع الأفغاني انتقادات وشكوك تجاه باكستان، تقوم وسائل الإعلام الباكستانية والمسؤولون الباكستانيون بنشر تصريحات تطمئن الجانب الأفغاني، وتقلل من حدة الانتقادات. إلا أن هذا الوضع قد لا يدوم كثيرا وأصبحت العلاقات الثنائية بين الطرفين مرتبطة بإحلال الأمن والسلام في أفغانستان. لذلك وقع الطرفان أثناء البناء العلاقات الثنائية في خبطُيْن:

أولا: توقعت الحكومة الأفغانية بأن باكستان تستطيع أن تجبر حركة طالبان للجلوس خلف طاولة الحوار،

ثانيا: أظهرت باكستان أكبر مما بمقدورها من سيطرة وتأثير على حركة طالبان، وأنها تحصل على ما تريد من طالبان.

ومن هنا كلما تدهور الوضع الأمني أكثر في أفغانستان، يتم وضع اللوم على باكستان، وتواجه الحكومة الأفغانية ضغطا شعبيا، وهكذا تتدهور العلاقة الثنائية بين الطرفين.

النهاية