مؤتمر بكواش، وميلان طالبان إلى بدء محادثات السلام

 

بعد الجلسة الثانية من محادثات رباعية للسلام، عقدت مؤسسة بكواش الدولية في 23 و24 من يناير 2016م، مؤتمرا دولية لمناقشة طرق حل الأزمة الأفغانية وبدء محادثات السلام، في الدوحة واستمر المؤتمر ليومين. وشارك في المؤتمر 55 شخصا إضافة إلى مندوبي طالبان. وصرّحت طالبان في المؤتمر عن موقفها في هذا المؤتمر.

ليست هذه أول مرة، تتم مناقشة ملف السلام الأفغاني في مؤتمر بكواش. فقد عقدت المؤسسة مؤتمرات مشابهة في الماضي. وتهدف المؤسسة إلى بناء ثقة بين الأطراف المتصارعة.

فهل تغيّر موقف طالبان تجاه محادثات السلام؟ وماهي أبرز نقاط في مؤتمر بكواش؟

خلفية مؤتمرات بكواش

تم من قبل عقد مؤتمرات عدة لحل الأزمة الأفغانية في دول مختلفة منها الإمارات المتحدة العربية، وقطر، واليابان، وفرانسا، شاركت فيها شخصيات من أفغانستان ومن دول أخرى. مؤسسة بكواش إحدى المؤسسات لتي تعقد هذه المؤتمرات، وهي مؤسسة غير حكومية حصلت عام 1995م، بسبب وساطاتها في حل النزاعات على جائرة نوبل للسلام. وقد عقدت المؤسسة أربع جلسات حول ملف السلام الأفغاني في الدوحة ودوبي.

مؤتمر دوبي: تم عقد أول مؤتمر بكواش في 22 و23 من سبتمبر 2012م، في دوبي. شاركت فيها شخصيات مختلفة من الأمم المتحدة، ومن أفغانستان ومن دول أخرى. اتفق المشاركون بأن السلام أمر حيوي لأفغانستان، وأنه ضرورة المنطقة كلها للرقي والإزدهار.

في مؤتمر دوبي، تم اعتبار مواد الدستور الأفغانية موضع مناقشة من أجل إحلال السلام، كما وجرت مناقشة ملف الانسحاب الأجنبي من أفغانستان، والهدنة، وموضوعات أخرى. واتفق المشاركون بأن السلام في أفغانستان مصلحة لجميع الأفغان[1].

تمثلت إشكالية المؤتمر الأول في دوبي في عدم مشاركة مندوبين من طالبان في هذا المؤتمر، بل شارك فيه آخرون مثل الملا معتصم آغا جان وقد انفصل من طالبان قبل ذلك.

المؤتمر الثاني في دوبي: تم عقد المؤتمر الثاني لبكواش في 15 و17 من يناير 2013م، في دوبي. جرت فيها مناقشة القرارات الماضية، وطُرحت مواضع جديدة.

فقد تم اعتبار إطلاق سراح سجناء طالبان خطوة في مجال بناء الثقة. تم التأكيد على التجنب من الخسارة في صفوف المدنيين، واتفق المشاركون أن أفغانستان آمنة لا تسع للأجانب، وأن أعضاء تنظيم القاعدة لن تبقى فيها.

وفي هذا المؤتمر تم اعتبار شطب أسماء طالبان من القائمة السوداء للأمم المتحدة، وفتح مكتب رسمي لطالبان في الدوحة، ومشاركة جميع الجهات والأحزاب في عملية السلام، من الخطوات الأولية لانطلاق عملية السلام[2].

مؤتمر قطر: تم عقد المؤتمر الثالث لبكواش في 2 و3 من مايو 2015م، في قطر. تمت في هذا المؤتمر أيضا إعادة طرح أبرز القرارات والبيانات من المؤتمرات الماضية، وجرت مناقشة نقاط جديدة. وتم اعتبار الفساد الإداري وزرع المخدرات من المشاكل الجادة في البلد. أكّدت جميع الأطراف على أهمية الحقوق، وتعليم المرأة، وأن تنظيم داعش ظاهرة أجنبية على الأعراف الأفغانية ومطالب الأفغان[3]. شارك في هذا المؤتمر أعضاء من المكتب السياسي لحركة طالبان في قطر.

 

مؤتمر بكواش الأخير

عُقد المؤتمر الأخير لبكواش في 23 و24 من يناير 2016م، في الدوحة، وشارك فيه مندبون رسميون من طالبان. وفي هذا المؤتمر وبعد أن تم عقد جلستين من المحادثات الرباعية بين أفغانستان وباكستان والصين وأمريكا، صرّحت طالبان عن موقفها بشأن عملية السلام[4].

وإلى جانب مندوبين غير رسميين من كابول، شارك في المؤتمر 15 مندوبا من طالبان. مع أن هذه كانت جلسة غير رسمية، لكن الحكومة الأفغانية وبسبب المخالفة مع الجلسة لم ترسل أي مندوب إليها. وقال بعض الحلقات التابعة للحكومة في كابول بأن هذه الجلسة ستضعّف دور المبادرة الجديدة للحكومة في (المفاوضات الرباعية). رغم ذلك شارك في المؤتمر عبدالقيّوم كوجي عم الرئيس أشرف غني، ومسؤولون رفيعو المستوى للحكومة السابقة، وأعضاء البرلمان، وناشطون مدنيون، وأناس من المعارضة السياسية.

وكانت أبرز النقاط لتي جرت مناقشتها في المؤتمر كالتالي:

  • ينبغي إنهاء الحرب،
  • على القوات الأجنبية مغادرة أفغانستان،
  • طلب بعض المشاركين تعديلا دستوريا في أفغانستان، فيما طالب آخرون بوضع دستور جديد. وستتم مناقشة مسودات لتعديل دستوري في الجلسات القادمة.
  • لا ينبغي للدول الأخرى أن تسيطر على سياسة أفغانستان، بل عليها أن تساعد البلد في مجالات فنية، واقتصادية وثقافية.
  • لا ينبغي عرقلة الأفراد والجهات التي تعمل في مجال إحلال السلام. يجب حذف أسماء طالبان من القائمة السوداء، وأن تُمنح لهم التأشيرات للمشاركة في مثل هذه الجلسات، وعلى طالبان أن يكون لها عنوان محدد لمحادثات السلام،
  • أن يتم عقد (لوي جركا)، أو مجلس الأعيان الأفغاني لإجراء محادثات شاملة،
  • أن تكون الهدنة على أجندة المحادثات،
  • أن يكون التجنب من الخسائر المدنية أولوية لدى الطرفين،
  • أن يكون نشاط المجتمعات المدنية، وحرية التعبير، والتعليم والتربية في إطار القيم الإسلامية،
  • تم التأكيد على حقوق المرأة، وعلى مكافحة العنف ضد المرأة،
  • يجب المحافظة على الأماكن العامة، مثل المدارس، والمراكز الصحّية، والبنية التحتية للبلد. كل من خالف ذلك يجب أن يُحاكم[5].

 

الشروط المسبقة لطالبان

وفي بيان لهم وضع مندوبو طالبان عدة شروط مسبقة لمحادثات السلام الأفغانية وهي، إحداث مكتب رسمي، وإلغاء عقوبات الأمم المتحدة ضد الحركة، وحذف أسمائهم من القائمة السوداء، وإطلاق سراح سجنائهم، وإنهاء الدعايات ضد حركتهم. قالت طالبان من رفع خطوات مسبقة لن تجدي محادثات السلام شيئا.

وجاء في بيان طالبان: “إن الإمارة الإسلامية شرعت في الجهاد من أجل الوصول إلى غايات سامية والحصول على الحق، وليس من أجل مصالح مادية. وتتعهد الإمارة بالسلام حينما يكون الهدف من وراء ذلك إنهاء الاحتلال الأجنبي وإقامة نظام إسلامي حر فقط”.

رغم ذلك فقط، أظهرت طالبان جاهزيتها المشروطة لمحادثات السلام مع الحكومة الأفغانية وهي في حد ذاتها خطوة جديدة تحمل الأمل.

 

تنازل من طالبان

قبل هذا، كانت حركة طالبان تصر بأن الحكومة الأفغانية عارية عن الشرعية، وينبغي إجراء محادثات السلام مع أمريكا والناتو، لكن وفي المؤتمر الأخير لبكواش، تغيّر موقف طالبان، إذ قسّمت مشاكل أفغانستان إلى قسمين. (المشاكل الخارجية والداخلية). وقالت إن المشاكل المتعلقة بالأجانب وخاصة بأمريكا يجب حلها عبر محادثات مباشرة بين طالبان وأمريكا. إن على القوات الأجنبية أن تغادر أفغانستان، وأن توفر للشعب الأفغاني بأن يقرر مصيره. وبشأن المشاكل المتعلقة بالأفغان تقول طالبان إن لدى الأفغان جاهزية واستطاعة لحل هذه المشاكل. ولذلك عبّرت طالبان بطريقة عن جاهزيتها المشروطة لمحادثات السلام مع الحكومة الأفغانية. ويمكن أن نلخّص عوامل تنازل طالبان في الآتي:

إعلان انسحاب القوات الأجنبية: فقد غادر الجزء الأكبر من قوات الناتو وأمريكا أفغانستن بنهاية عام 2014م، وبدأت مهمة الناتو غير القتالية باسم التأييد الحازم. وأثر ذلك على موقف طالبان بشأن السلام.

الخسائر الأفغانية: عام 2015م، تم تحويل المسؤولية الأمنية لجميع المناطق الأفغانية إلى القوات الأفغانية، مما يؤدي إلى وقوع خسائر من الأفغان في طرفي الحرب، وهو وضع لا ترضى بها طالبان أيضا، ولا تريد الاستمرار في تقاتل أفغاني.

تنظيم داعش: أعلنت داعش رسميا بداية عام 2015م، تواجدها في أفغانستان، ثم حدثت مواجهات بين طالبان ومقاتلي داعش، مما أثار قلقا لدى طالبان.

خسائر الحرب: فقد تعب الأفغان وفيهم طالبان من الحرب، ويريدون حل الأزمة الأفغانية عبر الحوار.

 

سياسة طالبان

أعلنت طالبان في بيان مؤتمر بكواش أنها متعهدة بالأنشطة المدنية، وحرية التعبير، وحقوق المرأة في ضوء القوانين الإسلامية، والمصالح الوطنية والقيم الإسلامية. وجاء في بيان طالبان أنها تدافع عن توفير التعليم لأبناء البلد، وتحافظ البنية الوطنية، والممتلكات العامة، وتدافع عن المشاريع ذات المنفعة العامة، مثل مشروع تابي، بهدف رقي للبلد، والرفاه والسعادة للشعب[6].

وفيما كانت دول آسيا الوسطى، وروسيا، والصين وإيران تشعر بقلق من الوضع الأفغاني وضّحت طالبان سياستها الخارجية، وقالت إنها لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ولا تتوقع ذلك من الدول الأخرى أيضا.

وأعلنت طالبان مرة أخرى بأن مكتبها السياسي في قطر يبقى عنوانها الوحيد لمحادثات السلام.

ردة فعل حكومية

مع أن جلسة بكواش كانت غير رسمية، ولم يشارك فيها مندوبون رسميون من الحكومة الأفغانية لكن يقال إن الرئيس أشرف غني بعث رسالة إلى الجلسة، وجاء فيها أن الحكومة الأفغانية تعترف بحركة طالبان كـ”مخالفين سياسيين”، ولديها جاهزية لمحادثات مباشرة معهم.

من جهة أخرى، قال ظفر هاشمي متحدث باسم الرئيس الأفغاني في مؤتمر صحفي إن عددا من الشروط المسبقة لطالبان من ضمن صلاحيات المجتمع الدولي. وأكّد أن الحكومة الأفغانية تحوار أولئك الذين يتركون العنف، وأنها تحارب من يستغل العنف.

وأضاف أن لدى الحكومة الأفغانية موقف واضح بشأن عملية السلام، وهي مستمرة في هذا الموقف، وأن إنجازات ما مضى من عقد ونصف، والدستور الأفغاني أمر لا تفاوض عليه.

من جانب آخر، يقول شهزاده شاهد متحدث باسم المجلس الأفغاني الأعلى للسلام إن جزءا من الشروط المسبقة لطالبان قابلة للتنفيذ.

 

مؤتمر بكواش والمفاوضات الرباعية

كيف ستكون ظلال مؤتمر بكواش على المحادثات الرباعية للسلام؟ سؤال، تبقى إجابته رهن أن تصل المحادثت الرباعية إلى مرحلة محادثات مباشرة بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان.

ففيما أرسلت طالبان مندوبين رسميين لها إلى مؤتمر بكواش، لم ترسل الحكومة الأفغانية أي مندوب رسمي إلى هذا المؤتمر. مما يعني أن الحكومة الأفغانية تهتم بالمحادثات الرباعية أكثر وقد علّقت آمالها بها.

وفي المقابل يظهر من بيان طالبان في مؤتمر بكواش ومن تعليقاتهم على موقعهم الرسمي بأن حركة طالبان لم تعقد آمالا على المحادثات الرباعية، ولذلك رفعت الحركةُ الإشارة الخضراء لمحادثات مباشرة مع الحكومة. مع أن الحكومة الأفغانية أحسّت بالغيير، وأرسلت رسالة إلى المؤتمر في يومه الثاني، لكن مواقف الحكومة وتعلقيات مسؤوليها لا تظهر بأن تكون هناك محادثات مباشرة بين الحكومة وحركة طالبان في مستقبل قريب.

لو ننظر إلى مواقف الحكومة الأفغانية وطالبان في بضعة أسابيع أخيرة، نجد أن الحكومة علّقت آمالها على المحادثات الرباعية، لكن حركة طالبان تميل إلى مؤتمر بكواش ومؤتمرات مشابهة لتحاور الجانب المقابل مباشرة، وأن يكون دور الدول الأخرى في حد توفير الضمانة والتعاون.

 

ما الذي ينبغي عمله؟

فور وصول أشرف غني إلى السلطة، علّقت طالبان آمالها مثل بقية الشعب الأفغاني على الحكومة الجديدة، لكن ومع مرور سنة ونصف، يبدو الوضع متدهورا جدا، وتحكم حالة من انعدم الثقة بين الحكومة وطالبان.

وفيما فقد كل طرف الثقة في الطرف الآخر، ظهرت ضرورة ماسة لتواجد جهة محايدة للوساطة مقبولة لدى الطرفين. ومن هنا أكّد المشاركون في مؤتمر قطر على ضرورة جهة محايدة للوساطة تقبل بها الأطراف المتصارعة كلها، كي تقوم هذه الجهة بالوساطة بين الحكومة وطالبان في مفاوضات السلام.

النهاية

[1]  راجع بيان بكواش حول مؤتمر دوبي على الرابط التالي:

http://pugwash.org/2012/09/24/dubai-meeting-on-afghanistan/

[2]  راجع بيان بكواش حول مؤتمر دوبي الثاني على الرابط التالي:
http://pugwash.org/2013/01/17/summary-of-the-pugwash-meeting-on-afghan-reconciliation-dubai-15-17-january-2013/

[3]  راجع بيان بكواش حول مؤتمر قطر على الرابط التالي:

 http://pugwash.org/2015/05/04/doha-meeting-on-security-in-afghanistan/

[4] See online: http://pugwash.org/2016/01/24/doha-meeting-on-peace-and-security-in-afghanistan/

[5] Pajhwok, Doha meeting calls for end to military confrontation, 25 Jan 2016

[6] See online: http://alemara1.org/?p=39650

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *