الفساد الإداري، وتفاقم الأزمة الاقتصادية في أفغانستان

في تاريخ 22/يونيو/2020م قُطعت الكهرباء وانطفأت كاميرات المراقبة في البنك المركزي لمدة أربعة سنوات، في حادثة لم يسبق لها نظير. بعد مرور عشرة أيام من الحدث أعلن البنك المركز ردة فعله تجاه التقارير المنشورة حيال ذلك وصرح مسؤولوه بأن عددا محدودا من الكاميرات انطفأت لمدة ساعة لأجل خلل فني. وفي تاريخ 27/يوليو/2020م صرح مسؤولو البنك في بيان أن حادثة انطفاء كاميرات المراقبة في البنك المركزي لمدة أربعة سنوات غير صحيحة، وورد في البيان أن عددا محدودا من الكاميرات انطفأت لساعات بسبب بروز أعطال فنية. أكد البنك أن التحقيقات أثبتت عدم التعرض لشيء من أموال وممتلكات البنك خلال تلك الفترة[1].

مع أن البنك أكد في بيانه أن نتيجة التفتيش أثبتت عدم تعرض أموال وممتلكات البنك لأي اختلاس خلال فترة تعطل الكاميرات، إلا أن هذا البيان واجه سيلا من ردات الفعل في شبكات التواصل الافتراضي، حيث عد الناشطون إغلاق الكاميرات أمرا ممهدا للضلوع في الفساد في البنك المركزي. الفساد ظاهرة متكررة الوقوع في كل دول العالم بمستويات مختلفة، إلا أن أفغانستان بلد يواجه كمية كبيرة جدا من الفساد في العديد من النواحي، ومن ذلك الفساد الإداري المُستشري في إدارات البلد.

الوعود التي لم تُنفذ

في منشوره الانتخابي أعلن الرئيس محمد أشرف غني عن 19 وعدا في مجال مكافحة الفساد الإداري، وأكد ضمن ذلك على نقطتين: النزاهة والمحاسبة. في المنشور المُشار إليه ذُكر أن عدم تسجيل الممتلكات بصورة قانونية وفقدان نظام حقوقي مؤثر من أهم أسباب الفساد في البلد، ولذا تضمن المنشور الخطوات المقترحة التالية:

  • إصلاح أنظمة وزارة العدل، والنيابة العامة، والمحاكم والشرطة؛
  • تسجيل الأراضي والعقارات والممتلكات بصورة شرعية وقانونية؛
  • فحص العقود الحكومية؛
  • منع تهريب البضائع والتصديرات بصورة غير قانونية؛
  •  مراقبة المعابر الحدودية والطرق بين المحافظات من قِبل الإدارات المعنية؛
  • اتخاذ خطوات لمكافحة بيع وشراء المناصب الحكومية.[1]

بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، أعلن الرئيس أشرف غني عن مخططه لمكافحة الفساد مرة أخرى في كلمة له بمؤتمر لندن المنعقد عام 2014 وتضمنت كلمته 20 وعدا لمكافحة الفساد.

مع أنه تم الإعلان عام 2017م أن الشعب الأفغاني دفع خلال عام 2016م رشوة بقدرٍ أكبر من ميزانية الحكومة وهو مبلغ يزيد عن الرقم المُعلن في 2014 بقدر مليار دولار، إلا أن أفغانستان ارتقت في ترتيب الدول حسب ما فيها من الفساد الإداري بقدر خمس درجات. في أحدث تقرير صادر من إدارة النزاهة الدولية حيال ترتيب الدول من حيث مستوى الفساد المنتشر فيها على الصعيد الحكومي فإن أفغانستان بتسجيلها 15 درجة احتلت الترتيب رقم 169 بين عدد 176 دولة. في حين أن أفغانستان في عام 2015م احتلت مرتبة ثالث دولة من ناحية حجم الفساد بحيازتها 11 درجة. في عام 2018م حازت أفغانستان 16 درجة وبلغ ترتيبها رقم 172 بشكل موازٍ للسودان وغينيا، وفي العام الأخير أعلنت إدارة الشفافية العالمية عن ترتيب دول العالم البالغ قدرها 180 دولة وورد في التقرير أن أفغانستان حازت خلال عام 2017 للميلاد 15 درجة من 100 درجة، وبلغ هذا العدد في العام الذي يليه 16 درجة، إلا أنه لم يرتفع في عام 2019 وبقيت درجات أفغانستان 16 درجة. وفق تصريح هذه المؤسسة فإن أفغانستان مازالت ضمن الدول العشرة الأولى في الفساد في العالم بالنظر إلى مؤشرات انتشار الفساد الإداري[2].

إدارات مكافحة الفساد لم تُنجز شیئاً

هناك العديد من الإدارات التي تُكافح الفساد في الوقت الراهن منها: الإدارة العُليا لمكافحة الفساد الإداري، والمجلس الاستشاري الأعلى لمكافحة الفساد، وجهاز القضاء الحكومي، وأجهزة المراقبة والتفتيش في كل الإدارات الحكومية، وإدارة التفتيش الحكومية، وغيرها. تنشط هذه الإدارات في وقت تزيد فيها معدلات الفساد في البلد. ورغم استمرار عمل هذه الإدارات فإن الوضع الحالي المتأثر بالفساد تسبب في تقلص اعتماد الشعب على الإدارات الحكومية، وتفاقم ظواهر اللامبالاة والكسل وعدم الإنجاز وتزعزع القيم المجتمعية، مع انتشار جذور الفساد مثل السرطان في كل النواحي إلى حد يجعل مكافحته أمراً مستعصيا.

قبل سنوات قال سيراك بلي بات الرئيس الآسيوي لمنظمة النزاهة الدولية: النظام القضائي وإدارات مكافحة الفساد في أفغانستان بحاجة إلى تعديلات وإصلاحات واسعة، وقد فقد كفاءتها في مجال مكافحة الفساد ولم تسلم حتى الآن أي ضالع في الفساد لقبضة القانون. إلا أن نائب رئيس البرنامج التطويري للأمم المتحدة في أفغانستان UNDP جسلن مسن يرى أن السبب الرئيس المتسبب في اتساع رقعة الفساد في البلد هو عدم وجود برنامج واضح ومعين وآلية جامعة لدى الحكومة لمكافحة الفساد[3].

اعتلى الرئيس أشرف غني كرسي الرئاسة في البلد في وقت كانت فيه أفغانستان وفق تقارير المنظمات الدولية واقعة على رأس هرم الدول الفاسدة في العالم. من جانب آخر كانت حكومة غني في حاجة ماسة لمكافحة الفساد في أفغانستان بصورة حازمة لأجل استقطاب الدعم المالي من المجتمع الدولي. ومع أنه اتُّخذت خطوات لمكافحة الفساد خلال فترة حكومة الوحدة الوطنية التي استمرت لأربع سنوات إلا أن هذه الخطوات لأجل أسباب عديدة اعتورها الكثير من الضعف، ولذا فيمكننا القول بالإجمال أن مكافحة الحكومة للفساد لم تنجح ومازالت أفغانستان إحدى أفسد الدول في العالم.

بالإضافة إلى الخطوات المؤثرة التي اتخذتها الحكومة في ملف مكافحة الفساد، فإن هناك ثغرات في هيكلة الأنظمة الإدارية في أفغانستان تتسم بكونها مُنتجة للفساد، حيث إنه يندر في الدوائر الحكومية أن يكتمل عمل دون دفعٍ للرشوة، ويُلاحظ أن السبيل الوحيد لإنجاز الأعمال في الكثير من الإدارات والمنظمات والوزارات والبلديات وأجهزة الأمن والمرور وإجراءات التوظيف في الإدارات بما فيها الجامعات هو دفع الرشوة والوساطة وتقديمها على معايير الجدارة، حيث يتم طلب الرشوة من المواطنين علناً. كما يُلاحظ أن تعيين الأفراد في المناصب الإدارية لا يتم في معظم الأوقات على أساس معايير الجدارة وإنما يتم على ما لدى الأشخاص من علاقات ونفوذ سياسي ووساطات. كما يشيع إشغال مناصب في طواقم الإدارة ومجالس الأمناء تحت مسميات وظيفية مختلفة منها وظيفة “الاستشاري” ويكون الهدف منها فقط إحداث علاقات ووساطات وسوء استغلال للمنصب الوظيفي. إن مكافحة الفساد تتطلب قبل كل شيء معرفة عميقة بالفساد وبالأفراد الضالعين في الفساد والمستغلين للمناصب والممتلكات، الذي يستغلون مكانتهم الوظيفية لانتهاك الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتعلقة بالمواطنين الآخرين وسلب حظوظهم القانونية لحيازتها أو سلبها ومنحها لأشخاص آخرين مما يُعد كذلك مُعارضا للقانون في أفغانستان.

النتائج

مع ما وُصف من من تحديات اعترضت طريق مكافحة الفساد في الفترة الأولى من حكومة الرئيس محمد أشرف غني؛ فقد رُصد انخفاظ معدل الفساد في بعض القطاعات. إلا أن الفترة الحالية من حكم الرئيس غني التي مرت منها عدة أشهر لم تشهد أي حديث عن الالتزام بمكافحة الفساد كما لا تُرى خطوات عملية في هذا الصدد. وعلى خلاف ذلك فإن التقارير تنشر كل فترة انتهاكات جديدة في هذا الملف. لعل من أسباب ازدياد الفساد انشغال الرئيس محمد أشرف غني وفريقه في تأمين استمرار عمر حكومته وإدارة ملف السلام على النحو الذي يوافق مصالحه. كما أن الاختلافات بين فريق رئاسة الجمهورية وفريق د. عبدالله عبدالله قد تكون من أسباب إغفال هذا الملف المهم.

على قادة الحكومة أن يعلموا أن الشعب الأفغاني يُقاسي أشد درجات البؤس والمعاناة بسبب الفساد الآخذ في التضخم وما يُصاحبه من ضغوطات اقتصادية ناجمة عن انتشار وباء كورونا وما يشهده البلد من تدهور أمني وقتل وحرب. إذا لم يكن القصر الرئاسي الأفغاني قادرا على إيجاد حل مؤثر لموضوع السلام في البلد – أو لم يكن راغبا في ذلك – فلا أقل من أن يُقصر أيادي عُماله عن الفساد الإداري وانتهاك الممتلكات العامة، حتى لا يزيدوا الأزمة اشتدادا بعدما أصاب البلد من ضيق في فترة الجائحة الحالية.

[1] http://dailyafghanistan.com/national_detail.php?post_id=153547

[2] https://www.radiozamaneh.com/485760

[3] http://www.pajhwok.com/dr/opinions/%D8%A8%D8%B1%A7

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *