المجلس الوطني والفساد الإداري في أفغانستان

 

ضياءالإسلام شيراني / مركز الدراسات الاستراتيجية والإقليمية

انتقدت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان (يوناما) في تقرير جديد لها بعنوان «مكافحة الفساد في أفغانستان؛ بين الاستراتيجية والتطبيق» المجلس الوطني الأفغاني بشدة. هذا التقرير الذي نشر قبل أيام، بحث قضية الفساد الإداري في أفغانستان في السنة الماضية (من يناير 2017 إلى أبريل 2018م).

كتب التقرير أن «الفساد في أفغانستان كبير ولا إنساني و وقح ومن دون استحياء، وعلى الشعب الأفغاني دفع الرشوة في جميع مجالات حياتهم اليومية، ويعانون من عدم المساواة في الفرص الاقتصادية وفرص العمل بسبب الدور الذي تلعبه الواسطة والقرابة بشكل واسع». ويضيف التقرير أن هذا الوضع قد أثر سلبا على ثقة الشعب بالمؤسسات الحكومية وسبب عقبات أمام تحقيق الأهداف مثل الاستقرار السياسي والاستعداد للانتخابات وعملية السلام.

استقبلت (يوناما) بعضا من الإجراءات للحكومة والسلطة القضائية والمجتمع المدني في طريق مكافحة الفساد؛ ولكن كتب من جهة أخرى أن السلطة التشريعية (المجلس الوطني) للدولة الأفغانية لم تقم بأي عمل لمكافحة الفساد فحسب؛ وإنما كانت هي نفسها الجزء الأكبر من الفساد.[1]

مكانة المجلس الوطني وصلاحياته، وقضايا الفساد الإداري في المجلس الوطني، ودور هذه المؤسسة في انتشار واستحكام الفساد الإداري وأسباب وجود الفساد فيها؛ تلك هي الموضوعات التي نبحثها في هذا التحليل.

 

المجلس الوطني وصلاحياته

المجلس الوطني أو السلطة التشريعية للدولة الأفغانية تشكل من جمعية وطنية لها مجلسين هما مجلس النواب (ولسي جيرغا) ومجلس الشيوخ (ميشرانو جيرغا) وهو أعلى مؤسسة تشريعية وممثل إرادة الشعب الأفغاني.

وفقا للدستور الأفغاني؛ فإن المصادقة على القوانين والمرسومات التشريعية أوتعديلها أو إلغاءها، والمصادقة على البرامج التنموية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والمصادقة على ميزانية الدولة، والسماح لأخذ أو إعطاء الديون، والمصادقة على المعاهدات الدولية هي من صلاحيات المجلس الوطني. ومن صلاحيات مجلس النواب الخاصة وفقا للدستور الأساسي لأفغانستان المصادقة على نصب الوزراء، واستجوابهم، وسلب صلاحياتهم بإعطائهم الثقة أو سحب الثقة عنهم.

المجلس الوطني بجانب المراقبة على أعمال الحكومة وصلاحيات أخرى؛ فإنها تتحمل مسؤولية مكافحة الفساد الإداري العظيمة بجانب سائر المؤسسات الحكومية؛ ولكن تذكر كلمة «الفساد» في السنوات الأخيرة كلما ذكر المجلس الوطني.

في الوضع الحالى وبالنظر إلى الوضع الأمني السيء؛ فإن ازدياد الفقر والبطالة، والفساد العريض، وهجرة الشباب من البلاد، وعدم الاستقرار السياسي، ومحاولات ايجاد الخلافات القومية والمذهبية وعشرات القضايا الأخرى ألقت بظلالها على الحياة اليومية للشعب الأفغاني. المجلس الوطني كونه بيتا للشعب ومدافعا عن حقوقهم عليه المسؤولية أن يبذل جهوده في مواجهة هذه التحديات؛ إلا أن المجلس الوطني الأفغاني نفسه يعاني من الفساد وفقا للمسؤولين الحكوميين والتقارير لبعض المؤسسات الوطنية والدولية.

التقرير الأخير لمنظمة الأمم المتحدة والذي انتقد المجلس الوطني الأفغاني يؤيد الفساد العريض في هذا المجلس، وقيل أن هذه المؤسسة لم تقم بعمل الإصلاحات ومكافحة الفساد قط، كما أنها لم تعمل لتعزيز المحاسبة الداخلية وعمل النزاهة.

 

دور المجلس الوطني في انتشار الفساد

الفساد الإداري من أهم المشكلات في أفغانستان بجانب المشكلات والتحديات الأخرى، وكان أفغانستان ضمن أفسد الدول في العالم في السنوات الأخيرة مع الوعود المكررة للحكومة الأفغانية للمكافحة الجادة للفساد. وفقا للتقرير الأخير لمنظمة النزاهة العالمية، فإن أفغانستان بين 180 دولة في العالم من ناحية الفساد الحكومي وبـ 15 امتياز الدولة الرابعة من ناحية الفساد بعد صوماليا والسودان وسورية.[2]

بجانب المؤسسات الحكومية الأخرى، فإن المجلس الوطني وخاصة مجلس النواب (ولسي جيرغا) من المؤسسات التي لعبت دورا في نشر الفساد. إعطاء رأي الثقة للوزراء في مقابلة الامتيازات المختلفة، نقض القانون، عدم الالتزام بالأمن العام وغير ذلك من الأمور التي يتهم بها أعضاء المجلس الوطني.

على سبيل المثال؛ طلب مجلس النواب عمر زاخيلوال وزير المالية الأسبق في 23 من ثور عام 1392 هـ ش ليستجوبه حول الوضع في الوزارة المالية والمشكلات المالية الموجودة في تلك الوزارة؛ ولكن وعلى العكس من ذلك كشف وزير المالية عن قضايا فساد لأعضاء مجلس النواب أنفسهم. قال زاخيلوال في قاعة المجلس: «وفقا لتحقيقات الوزارة المالية فإن لالاى حميدزاي متهم بتهريب المشروبات الكحولية وتهريب السيارات، وسميع الله صميم متهم بتهريب النفط وتهريب المشروبات الكحولية، وظاهر قدير متهم بتهريب الدقيق وطلب الأموال بشكل غير قانوني، وعارف رحماني متهم بطلب عقود المشاريع وطلب الأموال، ومحمود خان سليمان خيل متهم بتهريب السلع واستخدام الضغوط، ومحمد عظيم محسني متهم بطلب مسكن غير قانوني».[3]

عبدالبارئ جهاني، وزير الثقافة والإعلام الأسبق هو الآخر من أعضاء الحكومة الأفغانية قد اتهم أعضاء مجلس النواب في أحد كتاباته بأخذ الأموال من المرشحين للوزارات. كتب جهاني أن: «قبل حوإلى سنتين (فبراير 2015م) قال له ظاهر قدير ولمرشحين أخرين للوزارات في ضيافة أن يجب على المرشحين للوزارات دفع خمسة آلاف إلى عشرة آلاف دولار لكل عضو من أعضاء مجلس النواب».[4]

استمرارا لإظهار قضايا الفساد في المجلس الوطني نشرت تقارير عن اختلاس ملايين من العملة الأفغانية من ميزانية المجلس الوطني و أكثر من 200 مؤظف خيالي في أواخر شهر سنبله عام 1396هـ ش. وفقا لهذا التقرير فإن من مجموع 370 من مؤظفي دار الإنشاء في مجلس النواب، 217 منهم كانوا مؤظفين خياليين وقد تم اختلاس أربعة ملايين أفغاني على هذا النحو. اتهم رئيس مجلس النواب عبدالرؤوف إبراهيمي بإنفاق أكثر من خمسة ملايين أفغاني من ميزانية المجلس في بناء منزله الخاص.[5]

بالإضافة إلى قضايا الفساد المالي، فإن نقض القانون، وإفساد الأمن العام، والضغط على مؤسسات الخدمات العامة للأعمال الخاصة، واستخدام السيارات غير المسجلة وبدون الرخصة؛ هي أمور أخرى يتهم بها بعض من أعضاء المجلس الوطني. بجانب ذلك؛ فإن بعضا من أعضاء المجلس الوطني استغلوا مكانتهم الوظيفية في غصب الأراضي.

وهناك أنباء أيضا تترد أحيانا عن قضايا العِرض الخطيرة تنسب إلى أعضاء المجلس الوطني. على سبيل المثال؛ وفقا لبيانات وكالة بجواك الإخبارية فإن النائب الثاني لمجلس الشيوخ الأفغاني حاول قبل شهور الزواج بامرأة متزوجة.[6]

 

لماذا المجلس الوطني جزء من الفساد؟

التعهد على المصالح الوطنية للبلاد، وفهم السياسة وأصولها، واستقلالىة الفكر والرأي، ومعرفة الشعب والمجتمع بشكل كامل، والتعليم اللازم، والجرأة على النقد، والصدق والأمانة؛ هي العناصر التي يجب توفرها في أعضاء المجلس الوطني كنائب للشعب. وبعض من أعضاء المجلس الحالي لا تتوفر فيهم هذه المواصفات، ولذلك يعرف المجلس الوطني الأفغاني كأحد المؤسسات الفاسدة.

غياب أعضاء المجلس هو الآخر من الأمور التي سببت الانتقادات في هذه المؤسسة. لا يحضر أعضاء المجلس في كثير من الأحيان الجلسات العامة للمجلس لانشغالهم بأعمالهم الخاصة، ووفقا لبعض التقارير فإن هناك نوابا لم يحضروا عشرات الجلسات العامة أو لم يحضروا الجلسات أصلا.[7]

من جهة أخرى، فإن على أعضاء المجلس الوطني قضاء إجازاتهم الشتوية والصيفية في السفر إلى محافظاتهم والاستماع إلى مشكلات ناخبيهم؛ إلا أن أكثرهم يقضون إجازاتهم مع أسرهم خارج البلاد.

تجديد فترة عمل المجلس الوطني الحالي إلى السنة التشريعية الثامنة وامتياز ثلاث سنوات بشكل غير قانوني، ليس من شأنه جعل المجلس الوطني يفتقر إلى الشرعية فحسب؛ وإنما من أعضاء هذه المؤسسة من لم يواظب على عمله بشكل صحيح طيلة هذه الفترة، واستغلوا هذه السنوات كفرصة لتحقيق مصالحهم الشخصية.

المواجهة بين أعضاء المجلس والحكومة، ووجود جماعات تتبنى مواقف غير وطنية داخل البرلمان وتستغل مصئونية المجلس الوطني؛ مشكلة مهدت الطريق أمام الفساد من قبل بعض أعضاء البرلمان.

النهاية

[1] UNAMA: Afghanistan’s Fight against Corruption: From Strategies to Implementation (May 2018)”:

https://unama.unmissions.org/sites/default/files/afghanistans_fight_against_corruption_from_strategies_to_implementation-14_may_2018.pdf

[2] See it online: https://www.transparency.org/news/feature/corruption_perceptions_index_2017

[3] For further information, see the link below: http://www.dw.com/fa-af/a-16808934

[4] See online: https://csrskabul.com/pa/?p=3659

[5] See online: https://da.azadiradio.com/a/28752692.html

[6] See online: https://csrskabul.com/pa/?p=4164

[7] See online: https://8am.af/x8am/1395/11/02/lawyers-absence-parliament/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *