أربعون عاما مضت على ثورة الثالث من شهر الحوت

قبل أربعين عاما (في تاريخ ۳/حوت/۱۳۵۸ه ش الموافق ۲۲/فبراير/۱۹۸۰م) وبعد مرور ۵۷ يوما على اجتياح القوات السوفييتية لأفغانستان، قام سكان كابل بثورة تاريخية وملحمية ضد القوات المحتلة والحكومة العميلة التابعة لها. وبرفع شعارات التكبير، والتنديد بالشيوعيين أظهر الثوار بغضهم ورفضهم للاعتداء السوفييتي وحكومتها العميلة، كما أنهم أوصلوا رسالة للعالم تدل بوضوح على أن الشعب الأفغاني لا يرضى بالاحتلال وسيثور عليه وسيقاومه.

مع أن هذه الثورة أُجهضت من قبل القوات الشيوعية والقوات الحكومية بقوة السلاح، إلا أن شرارتها أشعلت أوار الجهاد ضد الاحتلال السوفييتي وحكومتها العميلة، مما أدى في النهاية إلى سقوط الحكومة الأفغانية العميلة وانهيار الاتحاد السوفييتي الذي كان يُلقب نفسه بالجمهورية التي لا تُهزم. في هذا التحليل سنسلط الضوء على مجريات الثورة المذكورة وتأثيراتها ونتائجها الكبرى.

تفاصيل الثورة وسعتها

مع الأسف، لم يُدون الكثير حول ثورة الثالث من شهر الحوت. وشهادات الأفراد والمقالات المحدودة حيال الحدث تظهر أن الثورة بدأت من منطقة خوشحال خان بكابل وتم توعية المواطنين بها عبر الرسائل الليلية السرية. في الساعة السابعة والنصف مساءً، خرج المواطنون على أسطح منازلهم ورفعوا شعارات التكبير ونادوا بـ “الموت للشيوعية” مُظهرين بغضهم ورفضهم للاحتلال السوفييتي وحكومته العميلة، ونزل عدد من المتظاهرين إلى الشوارع واستولوا على مخفر الشرطة بالقطاع الأول من مدينة كابل وصادروا أسلحة عناصر الشرطة.

وفي اليوم التالي له خرج المواطنون حاملين أعلاما خضراء مرددين شعارات التكبير ومنادين بالموت للشيوعية، وقاموا بإضرام النار في عدد من المراقص الموجودة بالقطاع الأول والثاني من مدينة كابل.

وقد اتسعت المظاهرة وشملت كل العاصمة حسب شهادات الشهود، ومن المناطق التي شهدت حراكا ثوريا: المدينة القديمة، وحي جندول، ومسجد بل خشتي، ومنطقة قصر دار الأمان، ومنطقة خير خانه، ومنطقة جهل ستون، ومنطقة أفشار، ومنطقة خوشحال مينه، وحي قلعه فتح الله، وحي جمال مينه، وشارع محمد خان، ودوار سالنج واط، وساحة دشت برجي، وغيرها من المناطق.

وقد بقيت مدينة كابل تحت سيطرة الثوار حتى الساعة الثانية عشرة ظهرا من يوم الجمعة الموافق للثالث من شهر الحوت. وقد اختبأ الشيوعيون وعملاؤهم في حصون منيعة خوفا من حصول انقلاب من قبل النهضة الإسلامية بأفغانستان.

رغم أن عددا من المؤرخين والخبراء يرون أن ثورة الثالث من شهر الحوت كانت ثورة شعبية ولم يُخطط لها، إلا أن النهضة الإسلامية في أفغانستان كانت قد نشرت الوعي ومهّدت للثورة قبل وقوعها، ويمكن عد نشر الرسائل الليلية التي تدعو إلى الثورة إحدى الأدلة الدالة على التخطيط لقيام الثالث من شهر الحوت. وقد طُلب في الرسائل الليلية من المواطنين أن يقوموا فقط بالخروج إلى الأسطح ورفع الأصوات بالتكبير، وقد قادت السكانَ حماستهم وأنفتهم الدينية إلى الخروج إلى الطرقات، وبهذا خرج الحراك الثوري عن سيطرة من أعدّوا له.

وكردة فعل للثورة، قامت الحكومة العميلة بعد علمها بأن الثوار أفراد مدنيون عُزّل بإطلاق النار على الثوار أرضا وجوا، وأطاحوا بالمئات من الثوار، كما زجوا بالآلاف منهم في المعتقلات، وبقي بعضهم في السجون شهورا وسنوات دون أن تُعيّن مصائرهم. مع أنه لا توجد إحصائيات دقيقة تدل على عدد القتلى والجرحى والمسجونين بسبب التكتم والتحكم من الحكومة الأفغانية والقوات الشيوعية، إلا أن عددا من الباحثين يرون أن عدد القتلى والجرحى يترواح بين ۲۰۰۰ و ۸۰۰۰ شخص.

الشيء الملفت للنظر هو أن ثورة الثالث من شهر الحوت اندلعت في مدينة كابل، التي كانت تعيش جوا مخنوقا تُسيطر عليه القوات الشيوعية، وكان الشيوعيون يرون أن مدينة كابل هي مهد الثورة الشيوعية الكبرى والمسماة بانقلاب شهر “ثور”. كانت الحكومة العميلة تزعم أن المواطنين الريفيين عاجزن عن إدراك مرامي انقلاب ثور، كما  أن الدول المخالفة للحكومة الشيوعية الأفغانية تستغل أحاسيس سكان المحافظات النائية وتحرضهم ضد الحكومة، وكانت الحكومة تزعم كذلك أن سكان المدن يدركون الحقائق بسبب ما لديهم من ثقافة ومستوى تعليمي.

وقد أثبت قيام الثالث من شهر الحوت زيف هذه الدعاوي الصادرة من الشيوعيين. قد كان الريفيون يعتقدون كذلك أن سكان المدن متعاونون مع الحكومة العميلة، إلا أن ثورة الثالث من شهر الحوت أوصلت رسالة إلى الريفيين مفادها أن سكان المدن يشاركون بقية مواطني البلد هدفهم وأملهم في الاستقلال.

قبل قيام شهر الحوت بسنة، قام سكان مدينة هرات بمعاونة ضباط وجنود الكتيبة رقم ۱۷ في ولاية هرات بثورة ضد الحكومة العميلة، وسطروا ملحمة تاريخية في ۲۴/حوت/۱۳۵۷هـ شـ. وقد استمرت هذه الثورة لمدة ثلاثة أيام، إلى أن تم الإطاحة بنحو ۲۴ ألف ثائر من قبل القوات الحكومية، وذلك بإطلاق وابل من الرصاص عليهم. وتفيد التقارير أن القوات الجوية الشيوعية ساهمت كذلك في الإطاحة بثورة سكان مدينة هرات.

نتائج ورسائل

أشعلت ثورة الثالث من شهر الحوت جذوة المقاومة في صدور الشعب الأفغاني، ليثوروا ضد الاعتداء السوفييتي السافر والحكومة الأفغانية العميلة التابعة له، وقام الشعب بثوارت مسلحة وغير مسلحة. ولم يمض وقت كبير حتى وقعت ثورات شعبية واسطعة في أنحاء أفغانستان ضد الاحتلال السوفييتي والحكومة العميلة، واستمر الحراك الثوري حتى أدى في النهاية إلى إلحاق الهزيمة بالاتحاد السوفييتي وإنجاء العالم من شر الوحش الشيوعي.

لم يكن العالم في بادئ الأمر مصدقا أصلا أن يقدر الشعب الأفغاني على الصمود أمام القوات السوفييتية والحكومة  الأفغانية العميلة التابعة لها. إلا أن ثورة الثالث من شهر الحوت المندلعة في قلب البلد (كابل) أثبتت خطأ ظنون العالم وصارت الدنيا مقتنعة في غضون سنة أو سنتين بعدها أن الشعب الأفغاني قادر على الصمود أمام الجيش الأحمر وإلحاق الهزيمة به. ولهذا ساندت دول العالم المجاهدين في جهادهم ضد الاتحاد السوفييتي.

مع أن هناك ثورات عديدة قامت في أرياف البلد، إلا أن خاصية ثورة الثالث من شهر الحوت تكمن في أنها اندلعت في رقعة شعبية واسعة في قلب البلد، ولذا حملت هذه الثورة رسائل وبشائر كثيرة.

لقد أظهر سكان كابل في ثورة الثالث من شهر الحوت تضامنا واتحادا منقطع النظير. وفي وقت هذه الثورة كان الاتحاد السوفييتي أحد أقطاب العالم القوية. وعلى الصعيد العسكري كان الاتحاد السوفييتي يرى نفسه بلدا لا ند له وقطبا لا يُغلب. ومع هذا كله فإن حكومة أفغانستان كانت بيد من طالبوا عدة مرات بدخول القوات الشيوعية إلى أفغانستان.

وفي مثل هذه الأوضاع قام سكان كابل بالثورة على القوات الشيوعية وحكومتها العميلة، في حين أن الثوار لم يكونوا يملكون أي سلاح سوى التكبير وشعارات التنديد بالشيوعيين والشيوعية. من جانب أظهرت هذه الثورة شجاعة الشعب الأفغاني، ومن جانب آخر أوصلت رسالة لدول العالم مفادها أن لا داعي للخوف من الاتحاد السوفييتي والجيش الأحمر، وذلك لأنهما سيُهزمان قريبا في أفغانستان.

مقترحات

  1. على وزارة الثقافة والإعلام ومنصات الإعلام الحكومية والخاصة أن تُجل الأيام التاريخية التي تحمل مفاخر الشعب الأفغاني، وأن يُحتفل بهذا اليوم كما ينبغي.
  2. على من شهدوا ثورة الثالث من شهر الحوت أن يدونوا ذكرياتهم ومشاهداتهم حيال الثورة والعبر المُستفادة منها لتُضاف إلى مدونات تاريخ أفغانستان المعاصر. كما على كتاب وأدباء البلد أن يسطروا ملاحم هذه الثورة في حلة أدبية ليخلدها التاريخ.
  3. على التيارات السياسية والمدنية والفئات المجتمعية المختلفة وخصوصا فئة الشباب أن تقرأ تاريخ أفغانستان المعاصر بتفحص ودقة كاملة، ليرسموا مستقبل البلد وفق الدروس المستفادة من تاريخ البلد. أما إذا لم يحصل ذلك فإن الشعب الذي لا ذاكرة له؛ لا يقدر أن يجد مكانه بين الشعوب الحرة الأبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *